بقلم: أحمد معروف اليافعي
في كل موسم انتخابي، يتجه المواطن إلى صناديق الاقتراع محمّلًا بالأمل، ومؤمنًا بأن صوته سيُترجم إلى واقعٍ أفضل، وخدماتٍ أجود، وتمثيلٍ حقيقي يعكس احتياجاته وتطلعاته. غير أن السؤال الذي يبرز بعد انقضاء الحماس الانتخابي وهدوء المشهد: من يمثل من؟ وهل يستمر صوت الناخب حاضرًا في أداء المجالس، أم يتلاشى مع مرور الوقت؟
إن المجالس المنتخبة، سواء كانت مجلس الشورى أو المجالس البلدية، لم تعد مجرد قنوات لنقل المطالب، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في رسم ملامح التنمية، وصياغة أولويات المجتمع. ومع هذا الدور المتنامي، تتعاظم المسؤولية، ويصبح من الضروري أن يكون الأداء بمستوى الثقة التي منحها المواطن.
لقد أثبتت التجارب أن عملية الاختيار، رغم أهميتها، ليست كافية لضمان جودة الأداء. فغياب آليات واضحة لقياس الإنجاز ومتابعة العمل، يخلق فجوة بين ما يُنتظر من هذه المجالس وما يتحقق على أرض الواقع. وهنا تتجلى الحاجة إلى الانتقال من مفهوم “التمثيل الرمزي” إلى “التمثيل الفعّال” القائم على النتائج.
إن صوت الناخب لا ينبغي أن يكون لحظة عابرة في يوم الاقتراع، بل يجب أن يتحول إلى حضور مستمر عبر أدوات متابعة وتقييم شفافة، تُمكّن المجتمع من الاطلاع على أداء ممثليه، وتمنح الجهات المعنية مؤشرات واضحة لتحسين العمل وتعزيز الكفاءة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير الأطر التنظيمية التي تحكم عمل المجالس، بما يشمل وضع آليات تقييم دوري للأعضاء، تعكس مستوى الإنجاز، وتُسهم في تصحيح المسار عند الحاجة. فالتقييم ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لضمان استمرارية الأداء وتحقيق الأثر.
كما أن تعزيز مبدأ المساءلة المؤسسية، ضمن أطر قانونية واضحة، يُعد خطوة أساسية نحو ترسيخ الثقة بين المواطن وممثليه. فالمساءلة لا تُضعف العمل، بل تقويه، وتدفعه نحو مزيد من الاحترافية والالتزام.
ومن جانب آخر، فإن تنظيم الحملات الانتخابية والتجمعات المرتبطة بها، وتقنينها بشكل يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، يُسهم في تحسين جودة المخرجات الانتخابية. فالمنافسة العادلة هي التي تفرز الكفاءات، وتمنح الناخب فرصة الاختيار على أسس موضوعية.
وفي ظل التحول الرقمي الذي تشهده سلطنة عُمان، فإن توظيف التقنية في متابعة أداء المجالس يمثل فرصة حقيقية لتعزيز الشفافية. فإتاحة المعلومات للمواطن، وتمكينه من الاطلاع على المبادرات والإنجازات، يرفع من مستوى الوعي، ويُعزز من المشاركة المجتمعية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الممثلين فقط، بل في ضمان استمرارية تمثيلهم الفعّال. فالعلاقة بين الناخب والمجلس لا يجب أن تكون علاقة موسمية، بل شراكة مستمرة تقوم على الثقة والمتابعة والتقييم.
وبين ما تحقق من إنجازات تستحق التقدير، وما لا يزال بحاجة إلى تطوير، يبقى السؤال قائمًا: هل نكتفي بالتمثيل، أم نسعى إلى التأثير؟
في نهاية المطاف، يبقى صوت الناخب هو الأساس، لكنه يحتاج إلى منظومة تحافظ عليه، وتحوّله من صوتٍ عابر إلى قوةٍ مستمرة تصنع الفارق.
فمن يمثل من؟ سؤال لا يُطرح للتشكيك، بل للتحفيز نحو أداءٍ يليق بثقة المجتمعية ويواكب طموحات المستقبل .


