بقلم: دنيا سليم بامسيلة
أفكّر كثيرًا في طبيعة العلاقات بين البشر، وكيف أن هناك علاقات تستمر وأخرى تتلاشى، فأجد نفسي أعود إلى فكرة بسيطة تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها عند التأمل تصبح عميقة: العلاقات لا تستمر لأنها كاملة، بل لأنها تتسع لعدم الكمال، أي أنها تتسع للخطأ وللزلة ولسوء الفهم.
أحيانًا أتساءل: لماذا ينهار شيء بنيناه طويلًا أمام لحظة عابرة؟ وربما لأننا ننسى أن الإنسان ليس خطًا مستقيمًا، بل موج يتغيّر ارتفاعه مع كل يوم ومع كل شعور، وهنا تظهر قيمة المتغافل وهو الشخص الذي يرى الموجة ولا يخاف منها، الذي يفهم أن الاضطراب لحظة، وأن السكون سيعود بعدها كما يعود النهار بعد الليل.
المتغافل ليس غافلًا حقًا؛ إنه يلاحظ، لكنه يختار الصمت، يدرك، لكنه لا يحمّل اللحظة أكثر مما تحتمل، كأنه يقول في داخله: “العلاقات أثمن من أن تُربَط بعقد وتثقب بأشواك”، فالعقد قد تثقل إلى أن تهوي بجميع الأطراف إلى القاع،، وثقب الشوك الصغير قد يكبر بتزايد الاثقاب إلى أن يصبح ماتبقى هشا.
ومع مرور الوقت، نفهم أن العلاقات التي تتنفس من خلال هذا النوع من الوعي تتشكل بطريقة أكثر نضجًا، تصبح أقل حساسية، أقل قابلية للكسر، وأكثر قربًا من حقيقتها الأصلية: أن الإنسان يحتاج من يفهمه، لا من يحاسبه، يحتاج من يرى جوهره، لا تفاصيل زلاته.
يحتاح من يشبه الحكيم الذي يؤمن بأن الحياة قصيرة جدًا فلا يضيّعها في تصحيح كل شيء، يعلم أن بعض الأمور يكتمل جمالها حين نتركها تنقص قليلًا، وأن الشخص الذي تحبه—بأي نوع من المحبة—ليس نسخة ثابتة، بل كائن يتغير، ويصيب، ويخطئ، ثم يعود إلى طبيعته.
المتغافل يعرف كيف يحمي العلاقة وأطرافها من ثقل التوقعات ومن حدة الحساسية، وكذلك من الانكسارات التي تبنى على سوء فهم بسيط، وكأنه يقول مطمنا: “لا بأس، لست مضطرا لأن تكون مثاليا أمامي” وهذا الشعور وحده يكفي ليجعل العلاقة أخف وأعمق في الوقت ذاته.
وربما… في هذا العالم السريع والمتوتر، نحتاج للمتغافلين أكثر من أي وقت مضى، نحتاج لمن يذكّرنا أن السلام الذي ننشده في العلاقات الاجتماعية الانسانية يولد أحيانا من خيار بسيط: هو أن نجعل علاقاتنا تتسع لعدم الكمال فنمرِّر ما لا يستحق أن يثقل القلب.


