عادل بن رمضان مستهيل
adel.ramadan@outlook.com
شهدت مدينة صلالة خلال الأيام الماضية حادثة لافتة أعادت طرح تساؤلات أمنية في ظل تطورات المشهد الإقليمي، وذلك عقب رصد استهداف عبر طائرات مسيّرة في حادثتين وقعتا يوم الأربعاء 11 مارس، وسبقتها حادثة أخرى بتاريخ 3 مارس 2026م. ويأتي هذا التطور في مدينة طالما عُرفت بهدوئها واستقرارها، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة الجهات التي قد تكون تقف خلف مثل هذه الأعمال، في ظل عدم صدور إعلان رسمي بتبنّيها أو توجيه اتهام مباشر حتى الآن.
ويضع هذا الحدث المراقبين أمام تحدٍ تحليلي معقّد، إذ إن طبيعة الصراعات المعاصرة تغيّرت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل ما يُعرف بتكتيكات “الحروب الهجينة”، لم يعد تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات أمراً يسيراً كما كان في الحروب التقليدية.
وقد أسهم انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وسهولة تشغيلها عن بُعد، في جعلها أداة تستخدمها أطراف متعددة لتنفيذ عمليات يصعب إسنادها إلى جهة محددة بشكل مباشر.
وفي ظل غياب إعلان واضح بتبنّي هذه العمليات، يتسع المجال أمام التحليلات والافتراضات التي تحاول قراءة أبعاد ما جرى دون الجزم بصحة أي منها. ومن بين السيناريوهات التي يطرحها بعض المحللين والخبراء احتمال أن تكون هذه الهجمات صادرة عن جماعات مسلحة لا ترتبط رسمياً بدولة بعينها، وهو نمط بات مألوفاً في عدد من بؤر التوتر الإقليمي، حيث تنشط جماعات تعمل في مناطق نفوذ متداخلة أو تحت مظلات غير معلنة.
و كما يذهب رأي آخر إلى احتمال أن تكون مثل هذه الهجمات محاولة لإيصال رسائل سياسية مبهمة، تستهدف الضغط على مواقف سياسية أو محاولة التأثير في توازنات إقليمية حساسة، مع الإبقاء على عنصر الغموض من خلال عدم إعلان المسؤولية المباشرة عنها.
ومن زاوية أخرى، يرى بعض المحللين أن استهداف مدينة مثل صلالة يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر، نظراً لما تمثله المدينة من أهمية اقتصادية وسياحية في سلطنة عُمان، وما عُرفت به من استقرار جعلها إحدى الوجهات البارزة في المنطقة. ومن هذا المنطلق قد يكون الهدف إحداث حالة من القلق أو التشويش على صورة الاستقرار التي تتمتع بها المدينة.
وفي خضم هذه التساؤلات، يبرز النهج العُماني المعروف بالحكمة والتروي في التعامل مع مثل هذه الأحداث. فغياب الاتهام الرسمي يعكس توجهاً قائماً على التحري الدقيق والاعتماد على الأدلة قبل إصدار أي مواقف أو استنتاجات، وهو نهج حافظت من خلاله السلطنة على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية عبر عقود.
إن البحث عن الحقيقة وفق منهج مهني ومتأنٍ يظل الخيار الأكثر مسؤولية في مثل هذه الظروف. فمدينة صلالة بشكل خاص، و سلطنة عُمان بشكل عام ، ستبقى رمزاً للاستقرار والسلام، كما أن مثل هذه الأحداث، مهما بلغت تداعياتها، تعزز أهمية التكاتف الوطني واليقظة الجماعية لحماية أمن الوطن وصون سيادته.
وفي مثل هذه الظروف الحساسة، تبرز أهمية الوعي المجتمعي والمسؤولية الوطنية في التعاطي مع المعلومات المتداولة. فاندفاع بعض الأصوات نحو إطلاق الاتهامات أو الإساءة إلى أطراف أخرى دون استناد إلى حقائق مؤكدة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل قد يفتح المجال أمام تأويلات تزيد من حدة التوتر. ومن هنا تظل الحكمة وضبط الخطاب العام خياراً ضرورياً ينسجم مع النهج العُماني القائم على التعقل والاتزان.
وحتى تتضح الصورة الكاملة، ستظل الأسئلة قائمة، غير أن مسار التحقيقات كفيل، في نهاية المطاف، بكشف الحقائق وتحديد الملابسات.



