على خطى الصحابة العظماء

نشرت :

كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي

١٦ رمضان ١٤٤٧

عمرو بن العاص… فاتح مصر وقائد الدهاء السياسي

بعض القادة ينتصرون بقوة السيف، وبعضهم ينتصرون بقوة العقل. أما عمرو بن العاص… فكان يجمع الاثنين معًا. فهو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أحد دهاة العرب الأربعة الذين عُرفوا بسرعة البديهة وحسن التدبير. نشأ في قريش تاجرًا وسياسيًا محنّكًا، يجيد قراءة الرجال كما يجيد قراءة الطرق التجارية.

قبل الإسلام كان من أشد خصوم الدعوة، حتى أرسلته قريش إلى الحبشة ليطلب من النجاشي إعادة المهاجرين المسلمين. لكنه رأى هناك ثبات المسلمين وعدل الملك، فبدأت بذور التفكير تتغير في داخله.

لحظة التحوّل
لم يطل تردده. وفي سنة من السنوات، خرج من مكة متجهًا إلى المدينة ليعلن إسلامه. دخل على النبي ﷺ، فمدّ يده ليبايعه، لكنه تردد لحظة وقال: أُبايعك على أن يُغفر لي ما مضى. فقال له النبي ﷺ مبتسمًا: يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله؟

كانت تلك اللحظة بداية صفحة جديدة لرجلٍ سيصبح أحد كبار قادة الإسلام.

عبقرية في القيادة
شارك في عدة مهمات عسكرية في عهد النبي ﷺ، أبرزها قيادته لسرية ذات السلاسل. ورغم أن في الجيش من هو أقدم إسلامًا منه، فقد اختاره النبي قائدًا، تقديرًا لحنكته وقدرته على إدارة الرجال. كان يعرف أن المعركة ليست قوة فقط، بل نفسية، وتوقيت، وذكاء.

فتح مصر
في عهد عمر بن الخطاب، اقترح عمرو فتح مصر. كان يرى أنها مفتاح استراتيجي مهم للدولة الإسلامية. تردد عمر في البداية، لكنه وافق بعد تفكير. قاد عمرو جيشًا صغيرًا نسبيًا، لكنه تحرك بخطة دقيقة، مستفيدًا من معرفة الطرق والظروف السياسية في المنطقة. فتح حصن بابليون، ثم تقدّم حتى دخل القاهرة القديمة، وأسس مدينة الفسطاط التي أصبحت أول عاصمة إسلامية لمصر.

لم يكن فتحًا عسكريًا فقط، بل تأسيسًا لحضارة جديدة.

دهاء لا يخلو من حكمة
عُرف عمرو بسرعة البديهة. قيل له يومًا: ما سر دهائك؟ فقال: ما دخلت في أمرٍ قط إلا رأيت آخره قبل أوله. كان يفكر في النتائج قبل أن يتحرك، وهو ما جعله من أبرز رجال الدولة في عصره.

لحظة صدق قبل الرحيل
مع كل نجاحاته، بقي في قلبه خوف من الحساب. ولما حضرته الوفاة، بكى وقال:
لقد مررت بثلاث حالات: كنت أشد الناس على رسول الله، فلو متّ يومها لكنت من أهل النار… ثم أسلمت فكان رسول الله أحبَّ الناس إليّ… ثم ولّينا أمورًا لا أدري ما حالي فيها. كان يخاف أن تضلّ الخطوة حين يكثر الطريق.

ختاما: عمرو بن العاص يعلّمنا أن القيادة ليست شجاعة فقط، بل رؤية، وحسن تقدير، وقدرة على تحويل الفرص إلى تاريخ. كان داهيةً في السياسة، لكن قلبه في النهاية بقي خائفًا من الله… وذلك هو ميزان العظماء.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img