على خطى الصحابة العظماء

نشرت :

كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي

١٢ رمضان ١٤٤٧

معاذ بن جبل… أعلمُ الأمة بالحلال والحرام

هو معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، من أهل المدينة، شهد العقبة، وشارك في بدر وما بعدها، وكان من أكثر الصحابة ملازمةً للنبي ﷺ، أسلم وهو في مقتبل العمر، لكن قلبه سبق سنَّه نضجًا، وعقله سبق زمنه فقهًا.

قال فيه النبي ﷺ: أعلمُ أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل. لم تكن شهادة عابرة، بل توصيفًا لدوره العلمي في الأمة.

فقيهٌ قبل أن يبلغ الثلاثين

كان معاذ صاحب فقهٍ دقيق، وقدرةٍ على الاستنباط، وفهمٍ لمقاصد الشريعة، لا يقتصر على ظاهر النص، بل يغوص إلى علّته وحكمته. وكان إذا جلس في المسجد التفّ حوله الصحابة والتابعون، يسألونه في الفرائض والأحكام، فيجيب بثقة العالم، وتواضع العابد. جمع بين الحفظ، الفهم والجرأة العلمية المنضبطة.

قصة حبٍّ ودعاء
ومن أجمل ما يُروى عنه أن النبي ﷺ أخذ بيده يومًا وقال له: يا معاذ، والله إني لأحبك. لم تكن كلمة عابرة؛ كانت تزكية قلب. ثم أوصاه: لا تدعنّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

خرج معاذ من تلك اللحظة وهو يحمل وصيّة حبٍّ ودعاء. كان يقول: ما نسيتُ هذا الدعاء بعد أن أوصاني به رسول الله ﷺ، وهكذا صار الحبُّ عبادة، والوصيّة برنامجَ حياة.

سفير العلم إلى اليمن
حين أرسله النبي ﷺ قاضيًا ومعلّمًا إلى اليمن، سأله: بمَ تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله.

كانت تلك اللحظة إعلانًا عن ميلاد مدرسة الاجتهاد المنضبط، حيث النص أصل، والعقل أداة، والنية إخلاص.

وداعٌ يهزّ القلب
لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، مشى معه مودّعًا، وقال له: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا… فبكى معاذ، وبكى الفراق قبل أن يقع. كانت علاقته بالنبي ﷺ علاقة تلميذٍ أحبّ معلّمه، وقلبٍ تعلّق بنورٍ لا يُعوّض.

عبادته وزهده
كان طويل القيام، كثير البكاء، إذا ذكر الله رقّ قلبه. وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني ما أحب البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. لم يكن العلم عنده سلطة، بل عبادة.

مكانته في الأمة
من فقهاء الصحابة، من أهل بدر، من أعلام الاجتهاد، أرسله النبي ﷺ قاضيًا ومعلّمًا. توفي في طاعون عمواس في الشام، شابًا لم يتجاوز الثلاثينيات من عمره تقريبًا، لكن أثره تجاوز القرون.

معاذ بن جبل يعلّمنا أن الفقه ليس كثرة معلومات، بل نورٌ في القلب، وضبطٌ في العقل، وخشيةٌ في السلوك.

كان شابًا… لكن الأمة كانت تسأله.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img