محمد بن زاهر العبري
في مشهد جديد من مشاهد الصراع الممتد في منطقة الشرق الأوسط، تصاعدت الأحداث بسرعة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، في مواجهة عسكرية غير مسبوقة تصل أصداؤها إلى كل ركن من أركان المنطقة، وتُعيد كتابة خريطة الصراع السياسي والعسكري في القرن الحادي والعشرين.
في 28 فبراير 2026 شنّت القوات الأمريكية والإسرائيلية أكبر ضربة عسكرية مشتركة في هذا العقد ضد إيران، استهدفت أهدافًا استراتيجية داخل العمق الإيراني، بينها مواقع عسكرية ونظم دفاع جوي ومراكز قيادة عليا، في عملية وصفتها واشنطن وتل أبيب بأنها “ضربة وقائية لمنع تطوير أسلحة نووية”. 
المؤسف هنا أن هذا الهجوم المكثّف أسفر عن خسائر بالغة في صفوف القيادة الإيرانية، وأثار ردود فعل عنيفة من طهران. إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني أن كل القواعد الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط أصبحت أهدافًا مشروعة للرد المنتظر. 
في خطوةٍ تصعيدية مفاجِئة، أطلقت إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيرة نحو قواعد أمريكية منتشرة في دول الخليج العربي، مستهدفة مواقع في قطر والكويت والإمارات والبحرين، في رد فعل مباشر على الضربة التي اعتبرتها انتهاكًا صارخًا لسيادتها. 
هذا التصعيد يأخذنا إلى أزمة أعمق، ليست مجرد تبادل ضربات عسكرية، بل صراعٌ بين إرادتين على الساحة الدولية:
• الأولى هي إرادة الولايات المتحدة وإسرائيل للهيمنة وتدعيم نفوذهما الاستراتيجي في الشرق الأوسط، باستخدام القوة العسكرية كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، والتدخل في شؤون دول مستقلة بذريعة “الأمن القومي” ومنع ما يسمّونه تهديدًا نوويًا.
• الثانية هي إرادة إيران في الدفاع عن سيادتها واستقلالها، وردع ما يعتبره النظام الإيراني هجومًا على كيانها الوطني.
لكن ما بين هاتين الإرادتين تقع الشعوب والمجتمعات، التي تدفع ثمنًا باهظًا في دماء الأبرياء، والبنى التحتية، واستقرار الحياة اليومية. ففي كلا جانبي الصراع، نجد المدن تتعرض للقتل والتدمير، والأسواق تُغلَق، والمجتمعات تهرب من دوامة العنف غير المتناهية.
هناك من يرى أن ما يحدث هو امتدادٌ لسياسة الهيمنة الأمريكية التي طالما سعت لتثبيت قواعدها العسكرية في الدول العربية للتحكم في موارد المنطقة وخياراتها السياسية، بينما تستغل إسرائيل هذا النفوذ في تنفيذ أجندتها الخاصة. وهذا يثير الكثير من التساؤلات حول منافع حقبة طويلة من التدخلات العسكرية، وكيف تتحول هذه السياسات في النهاية إلى دوائر عنف لا تنتهي.
وعلى الرغم من أن بعض الدول الخليجية قد ندّدت بالتصعيد الإيراني، مؤكدين احترام سيادتهم وعدم السماح باستخدام أراضيهم كمنصات للحرب، إلا أن التوتر ما يزال ذا تأثيرٍ اقتصادي وسياسي قوي. 
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يتحول هذا الصراع إلى حربٍ شاملة؟ أم أننا أمام موجة تصعيد ستبوء في النهاية إلى مفاوضات دبلوماسية جديدة؟ التاريخ يشير إلى أن العنف يولِّد عنفًا، وأن استمرار استخدام القوة كأداة للحل غالبًا ما يعمّق الأزمات بدلًا من إنهائها.

