على خطى الصحابة العظماء

نشرت :

كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي

٩ رمضان ١٤٤٧

عبد الله بن مسعود… مدرسة القرآن والتفسير

هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، من أوائل من أسلموا، حتى قيل إنه سادس ستة دخلوا الإسلام. تعرّف على النبي ﷺ مبكرًا، ولازمه ملازمة التلميذ المحب، فصار من خاصته، يدخل عليه بلا استئذان أحيانًا، ويشهد دقائق حياته، حتى قال الصحابة: هو صاحب السواك والوساد والنعل.

لم يكن عبد الله بن مسعود طويل القامة، ولا صاحب جاه قبلي، ولا من بيوت السيادة في مكة. كان راعي غنمٍ في أطرافها… لكن الله أراد أن يكون راعيَ أمةٍ بالقرآن. لم يكن مجرد حافظ قرآن، بل كان شاهدًا على نزوله.

أول من جهر بالقرآن في مكة
في زمنٍ كان الجهر بالقرآن مخاطرة قد تكلّف صاحبها حياته، اجتمع الصحابة وقالوا: من يُسمع قريشًا القرآن علانية؟ سكت كثيرون. فقام ابن مسعود. قالوا: إنما نريد رجلًا له منعة تحميه. قال: دعوني، فإن الله سيمنعني. وقف عند الكعبة، وبدأ يتلو: ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾… كانت كلماتٍ تهزّ سكون الوثنية. لم تحتمل قريش المشهد، فضربوه حتى أدموه. عاد إليهم ووجهه ينزف، لكنه قال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن. لم يكن الجهر استعراضًا، بل إعلانًا أن القرآن لا يُخفى.

قربٌ خاص من النبي ﷺ
كان النبي ﷺ يقول: من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد وهو لقب عبد الله بن مسعود.

ذات ليلة، طلب منه النبي ﷺ أن يقرأ عليه القرآن. قرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ…﴾ فإذا بعيني النبي ﷺ تدمعان. أن تقرأ فيبكي رسول الله، ليست مهارة صوت، بل عمق فهم.

مدرسة في الفهم لا في الحفظ فقط
بعد وفاة النبي ﷺ، انتقل إلى الكوفة، وهناك بدأت مدرسته الحقيقية. لم يكن يعطي الناس نصوصًا مجردة، بل يعلّمهم كيف يفهمون.

كان يقول: والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيمَ نزلت. لم يكن هذا فخرًا، بل مسؤولية. خرج من مدرسته علماء كبار، وصارت الكوفة منارة فقهٍ وتفسير، حتى أثّر منهجه في أجيالٍ لاحقة من علماء الأمة. كان يربط بين النص والحياة، بين الآية والسلوك، بين العلم والعمل.

تواضع العالم
رغم علمه ومكانته، ظل متواضعًا. كان نحيف الجسد، حتى ضحك بعض الصحابة يومًا من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أُحد. الميزان عند الله ليس بالشكل، بل بالقيمة.

ماذا يمثل ابن مسعود لنا اليوم؟
يمثل أن القرآن ليس كتاب تلاوة فقط، بل كتاب وعي. أن العالم الحقيقي ليس من يكثر الكلام، بل من يعيش النص. أن الجرأة في الحق تبدأ من فهمٍ عميق، لا من حماسة عابرة.

عبد الله بن مسعود لم يكن مجرد قارئ، بل كان مدرسة تمشي على قدمين. مدرسة تعلّمنا أن القرآن إذا سكن القلب، صنع إنسانًا، يصنع أمة.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img