بقلم: أحمد الحضرمي
ربما يظن البعض أننا نكتب لأنفسنا، كنوع من التطهير الذاتي أو الهروب من واقع يضج بالفوضى، لكن الحقيقة هي أننا نكتب لأننا لم نعد نملك ترف الصمت. إن انطلاقنا في هذا المسار يبدأ من الأصل الوجودي والميثاق الأول؛ ففي الرؤية القرآنية، لم يكن الأمر الأول ((اقْرَأْ)) مجرد دعوة لفك الرموز، بل كان إعلاناً لميلاد إنسان جديد يتصل بالكون عبر المعرفة والتبصّر. وحين أتبعها الله تعالى بقوله ((الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ))، فإنه وضع بين أيدينا أمانة الوجود؛ فالقلم هو الأداة التي توثق الحكمة وتبني الحضارات. ومن هنا، فإن انحدارنا الجماعي نحو “سفاسف الأمور” هو في جوهره انسلاخ من ميثاق القلم الذي أقسم به رب العزة تعالى: ((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)). فكيف سمحنا لأنفسنا أن نهبط بهذا السطر المقدس إلى قيعان اللغو والعبث الذي أُمرنا شرعاً بالإعراض عنه؟ إنني أؤمن يقيناً أن الكتابة هي الثمرة الناضجة للقراءة، والعلاقة بينهما هي علاقة وجودية حتمية تشبه قانون “الفعل ورد الفعل”؛ فالقراءة هي الشهيق الذي نستنشق به فكر العالم وتجارب الأمم، والكتابة هي الزفير الذي نخرج به رؤيتنا لإصلاح هذا العالم، ولا يمكن لزفيرٍ أن يحيي فضاءً ما لم يسبقه شهيقٌ عميق يملأ الرئتين بالمعرفة.
من منظور علم النفس، نحن نعيش اليوم حالة من “التسطيح القسري”؛ فالقراءة العميقة هي التي تبني في عقولنا القدرة على النقد والتحليل، بينما استهلاك “المحتوى التافه” يصيب العقل ببلادة معرفية تجعله يتقبل الزيف كحقائق. وفي فضاء علم الاجتماع، يبدو أننا غرقنا في “مجتمع الفرجة”، حيث استُبدلت الحياة الحقيقية بتمثيلات بصرية جوفاء تقتات على إفراغ المجتمع من رصانته وقيمه التاريخية. فلسفياً، نحن أمام معركة “وجودية” كبرى؛ فإما أن نكون ذواتاً مفكرة تختار مسارها بوعي، أو نتحول إلى مجرد “أشياء” أو أرقام تحركها خوارزميات التفاهة. لقد تحول المجتمع إلى ما يشبه القطيع الذي يلاحق سراب الشهرة الزائفة، وما يؤلمني حقاً هو تلك المفارقة الحزينة؛ حيث أصبحت الكتب منسية على الرفوف يكسوها الغبار، وحتى المحاولات الإيجابية لخلق مساحة افتراضية للكتب أو “البودكاست” الثقافي، أصبحت في غالبها محاصرة بأسوار مدفوعة واشتراكات مبالغ فيها، مما جعل المعرفة ترفاً لا يناله إلا المترفون، وهذا يتناقض فلسفياً مع جوهر الحكمة التي يجب أن تكون مشاعاً للناس كافة.
والأدهى من ذلك كله، أنك تجد حتى من ينتقدون هذه التفاهات متسمرين أمام هواتفهم، يضحكون على السخف الذي يذمونه قبل المشاهدة أو بعدها. هم من صنعوا هذه الأصنام بمتابعتهم وتوثيق حضورهم، وساهموا بوعي أو بدون وعي في هدم أخلاقيات المجتمع.. فهل نحن أبرياء حقاً من دم هذا الوعي الذبيح؟! إن “الصحوة” التي ننشدها تتطلب ردة فعل مجتمعية واعية وصارمة؛ تبدأ من إرادة التغيير وممارسة “الصوم الرقمي” عن كل ما يسفه عقولنا. إن سلاح “الإعراض” هو أقوى رد جماعي في وجه اقتصاد الانتباه الذي يتاجر بعقولنا ويحولها إلى بضاعة. علينا أن نعيد “الكتاب” إلى صدارة بيوتنا، وأن نجعل من القراءة فعلاً اجتماعياً حياً، ونعيد الاعتبار للقدوات الحقيقية من أهل الفكر والعلم. أما أولئك الذين يملكون المنصات ويصدرون الخواء للناس، ألم يأنِ لكم أن تدركوا حجم الجناية التي ترتكبونها؟ إن الشهرة التي لا تخدم حقاً هي عبء ووصمة، والجمهور الذي تخدعونه اليوم سيفيق غداً ليحاسبكم بصمته وإعراضه. إنني أكتب لعل هذه الصرخة تكون بداية الاستفاقة لإعادة عقرب البوصلة نحو الجوهر لا السطح المتآكل، ونحو البناء لا الهدم. فهل نبدأ اليوم بتغيير ما نتابعه وما نقرأه، لنستحق فعلاً شرف القلم الذي نحمله؟


