بقلم: حسين محمد
لم يكن الحب عند ”ساكلن“ خيارًا بين الوجوه، ولا معيارًا بين الكمال والجمال، بل كان
يقينًا كاملًا يشبه الإيمان. حين التقى ”أوبّار“ لم تكن الأجمل، ولا الأكثر أنوثة، ولا الأكثر لمعانًا وبريقًا.
لقد كان كباقي الرجال، ربَّ رجلٍ وسيم يعشق تلك التي ملامحها لاتعبر عن شيء، ولكنه يعبد جوهرها وإنسانيتها. حتى القبيحات، يا صاح، لهنَّ نغم وسحر، وحتى البشعين لهم ودٌّ وعطف. لقد كانت ذلك الشيء الذي أعاد إلى قلبه الطمأنينة، وكأنه ضلَّ طريقه منذ فترة، وأخيرًا وجد الملجأ الذي سيؤويه.
تزوجها رغم الأعتراضات، ورغم الأختلاف القبلي، ومضت الأيام بهم إلى مطبّات الفقر والضيق والتهجير، لكن رغم ذلك بقيت ”أوبّار“ بجانبه تتحمل المرض والجوع والحرب التي أجبرتهم على الرحيل.
تنهد ”ساكلن“ بداخله قائلًا:
”ما أظلمَ الجور، وما أعدلَ الحق؛ إذ
لا يشعر المرء بقيمة الأمان إلا في الحروب.“
لكن ”أوبّار“ وُجدت لتكون شريكة الفرح كما هي شريكة الألم، كما هن الماجدات.
كان في صمتها قوة، وفي ضعفه مرآة لضعفها، ومع ذلك كانوا كالجذعين، متماسكين ملتفين
حول بعضهما رغم العواصف.
لم تكن وهجًا يفتن العيون، بل كانت وطنًا حين لا وطن، وكانت المنفى عندما افتعل الخونة الحروب تحت مسمّى التعددية.
لم يتزوجها لأنه أراد أن يربح السعادة، بل لأنه عرف أن المعنى يُمنَح إذا شقيا معًا.
لقد كان يؤمن أن الألم يعري جوهر الإنسان، لا الفرح، حيث الجميع أصدقاؤك في الرخاء، وكل الزوجات وفيات إذا كنت تملك مالًا.
فالرفيق هو من كان معك في الظلام، لا من عرفك في النور.
لقد كانت مرآته الوجودية. وكان ”ساكلن“يحب التساؤل؛ يختبرها كما يختبر الفيلسوف صدق الفكرة. وقد عرف أن الحب ليس وعدًا بالراحة والرفاه، بل التزام أن يظل المرء
موجودًا حين يغيب كل شيء، ويغيب معه معنى الأستمرار في الحياة.
وحين جاء يومها الأخير، جلس بقربها مقبّلًا يدها كما يقبّل النبلاء أيدي العفيفات. كانت يدها هزيلة،وعيناه مثقلتان بالدمع، قلبه يكاد ينفجر، ولم يكن بوسعه أن يمسك بآخر
كائن بقي له من بين الأحبّة، وما انفك الطائر المشؤوم يحوم فوق جسدها المسكين.
لكنه أراد أن يترك لها آخر اعتراف، فقال:
”لتعلمي يا ملاكي الطاهر أني لم أخنكِ مع غيرك، حتى في أفكاري.“
في تلك اللحظة لم يقتله موتها بقدر ما قتله أنه لم يستطع أن يقول لها ما كان يحمله في قلبه. كان يظن أن الحياة مفروشة بالهناء، وأن الأمان والوطن سيدومان، وأن الموت
سيأخذ غيرها لا هي. لكن الموت لا يطلب إذنًا، وإلا لكانت خواتيمنا حسنة.
لقد آلمه أنه لم يستطع أن يقول لها ”آسف“:
عندما وبخها من زيادة ملح الطعام،
عندما منعها من زيارة قريباتها،
عندما سمعت ما لم يسرها عن أهلها،
عندما أسقط اعوجاج الأبناء على جيناتها البيولوجية وسوء إدارتها.
وآلمه أكثر أنه لم يملك الشجاعة أن يهمس لها بالكلمة الأبسط والأثقل: “أحبك”.
كبّلته تلك اللعنة التي يسمونها “صلابة الرجال “الصلابة التي أورثتهم تعاسة لا تشفى،
وحالت بينهم وبين دمعة أو اعتذار أو اعتراف بالحب. ثقافة صنعت رجالًا قساة في الظاهر، هشين في الداخل، يدفعون ثمنها وحدهم… وتدفعه معهم قلوب النساء المكسورة.
بقي ما أراد قوله حبيس صدره، لم يصل يومًا إلى مسامعها. وهكذا لم تصبح ”أوبّار“ رمزًا للوفاء فقط، بل جرحًا مفتوحًا يذكّره كل يوم أن الحب لا يموت بالموت، بل يبدأ مأساة جديدة بعد الرحيل.

