عادل بن رمضان مستهيل
adel.ramadan@outlook.com
مع حلول شهر رمضان، تتجدد في محافظة ظفار ملامح المشهد الروحي والاجتماعي، حيث تتعانق القيم الدينية مع الإرث الثقافي المتوارث في صورة تعكس خصوصية المكان وأصالته. فالشهر الكريم لا يُستقبل هنا كفترة عابرة، بل كموسم سنوي تتوثق فيه صلات الأرحام، وتتسع مساحات التسامح، وتُستحضر عادات راسخة أسهمت في تشكيل هوية المجتمع عبر الأجيال.
وقبيل ثبوت الهلال، تنشط الحركة في الأسواق والمنازل؛ إذ يحرص الأهالي على اقتناء احتياجات الشهر الفضيل، استعدادًا لأيامه المباركة. كما تتواصل الاستعدادات بتنظيف المساجد والبيوت، وغسل الملابس، في مشهد يجسد معاني الطهارة الظاهرة والباطنة، وكأن المكان والقلب يتهيآن معًا لاستقبال موسم استثنائي من العبادة.
ومن أبرز المظاهر الاجتماعية المتجذرة في ظفار عادة “قتل الحنش”، وتُعرف في بعض ولايات السلطنة بـ“الشعبانية”. وهي وليمة دسمة تُقام في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث يجتمع الأهل والجيران حول مائدة عامرة، في دلالة رمزية على إنهاء الخلافات وتصفية النفوس قبل دخول رمضان. وتمثل هذه العادة رسالة اجتماعية واضحة مفادها أن الشهر الكريم يبدأ بقلوب نقية وعلاقات متماسكة.
وتحافظ المائدة الرمضانية الظفارية على طابعها التقليدي رغم تغير أنماط الحياة، إذ تتصدرها أطباق مثل “القراص” و”اللقيمات” و”الخبز المقصقص” و”خبز اللحوح” و”السمبوسة”، إلى جانب العصيدة بالسمن البلدي، والهريس، واللحم المقلي وغيرها من الوجبات الشعبية التقليدية. وتعكس هذه الأطباق، ببساطة مكوناتها وعمق دلالاتها، روح الكرم والتكافل التي تميز المجتمع بتبادل الأطباق ومشاركتها مع الجيران والأقارب.
وفي الماضي، كان الإفطار يقتصر في كثير من الأحيان على الماء والتمر، يُحمل من البيوت القريبة إلى المساجد والجوامع، حيث يجتمع الرجال لتناول الإفطار في أجواء تسودها الألفة والمشاركة. ولا تزال عادة الإفطار الجماعي حاضرة حتى اليوم، إذ يحرص أهالي الحارات، من مواطنين ومقيمين، على تخصيص جزء من طعامهم للمساجد أو المجالس العامة، تعزيزًا لقيم التعاون والتراحم.
كما تبرز “المشاهرة” كإحدى السمات الاجتماعية الملازمة للشهر الكريم في ظفار، حيث تتكثف الزيارات بين الأقارب والأصدقاء، وتتجدد اللقاءات عقب صلاة التراويح. وفي السابق، كان الرجال يجتمعون في منزل واحد لأداء التراويح في جماعة و يتشاركون معا، في صورة تجسد عمق الروابط الاجتماعية لتناول وجبة العشاء او السحور.
وعُرف عن المجتمع الظفاري تخصيص معظم أوقات الشهر للعبادة، مع إتاحة مساحة محدودة للترفيه، خاصة للصغار، بما يحفظ التوازن بين أجواء الجدية والبهجة. فبعد صلاة التراويح، يجتمع الرجال والشباب لممارسة الألعاب الشعبية مثل “الطاب”، وهي لعبة خشبية تقليدية، أو “الكيرم”، وهي لعبة تلعب على طاولة مربعة مصممة خصيصًا، وتشبه في طريقة اللعب لعبة البلياردو، وغيرها من الألعاب الشعبية. هذا إلى جانب إقامة أمسيات دينية يتخللها الذكر وتلاوة القرآن، في مشهد يعكس تكامل البعدين الاجتماعي والروحي.
ومن الصور الراسخة في الذاكرة، مرور “المسحراتي” بين الحواري قبيل الفجر، مرددًا عبارته الشهيرة “فلوح فلوح” لإيقاظ الأهالي للسحور. وكان صوته يوقظ البيوت بهدوء الليل، فتدب الحركة في الأزقة، وتتعالى الأحاديث استعدادًا ليوم جديد من الصيام.
ورغم ما شهدته الحياة المعاصرة من تحولات، تبقى هذه الموروثات جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية في ظفار. فقد تتغير الوسائل وتتطور أساليب التواصل، إلا أن جوهر العادات الرمضانية يظل ثابتًا: تصافٍ قبل الصيام، وتكافل عند الإفطار، وتواصل مستمر بين الجيران والأقارب.
إنها أيام معدودات، تختزل في طياتها معاني التراحم والتلاحم في أبهى صورها. وفي ظفار، يظل رمضان موسمًا سنويًا تتجدد فيه القيم، وتتوارثه الأجيال بوصفه عنوانًا للوحدة الاجتماعية، ودليلًا على أن اجتماع الخير مع الأصالة يصنع مجتمعًا أكثر دفئًا وترابطًا.


