الإسكان الريفي… إلى أين؟

نشرت :

أحمد الشحري

في الأطراف البعيدة عن صخب المدن، حيث تبدأ الجبال في معانقة الضباب وتتمدّد السهول صفحات خضراء ولدت حكاية الإسكان الريفي في محافظة ظفار بخصوصية المكان في بطبيعته، وبإنسانه وبإيقاع حياته المختلف.
فمنذ فجر النهضة المباركة التي قادها السلطان الراحل السلطان قابوس بن سعيد، حظيت الجبال والسهول في محافظة ظفار بمكانة خاصة في السياسات التنموية للدولة. فقد أُنيط تنظيمها بما عُرف بالإسكان الريفي، في إطارٍ هدفه الحفاظ على خصوصية المكان، وصون طبيعته البيئية والاجتماعية، وعدم المساس بهويته المتفردة.
فالجبل هنا ليس كتلة صخرية صامتة، بل كائن حيّ، تتنفس في شعابه روح الإنسان الذي قدم كل ما يملك في دعم ترسيخ الدولة في تلك الحقبة الزمنية وتسرح الماشية في امتدادها مطمئنة على حالها وتستظل بأشجاره الحكايات، وتُكتب على سفوحه ذاكرة المكان. والسهل ليس أرضًا فارغة تنتظر الإسفلت، بل تربة خصبة تختزن إمكاناتٍ زراعية لو أُحسن استثمارها لأصبحت رافدًا استراتيجيًا للأمن الغذائي.
غير أن السؤال الذي يلوح في الأفق اليوم ليس عن الماضي، بل عن الإتجاه إلى أين يمضي الإسكان الريفي؟
وهل تحوّل من أداةٍ لحماية الخصوصية إلى وسيلةٍ لتطويع الطبيعة ضمن مربعات تخطيطية جامدة؟
صحيح أن هناك بعض التجاوزات حدثت وصحيح أن المواطن غالبًا ما يتحمل اللوم مناصفة مع أصحاب القرار لكن الحقيقة الأعمق أن أي خلل في التخطيط هو مسؤولية مشتركة و الأخطر من كل ذلك أن تمتد يد التخطيط إلى ما تبقى من سهول لم تمسها الخرائط بعد، فتحاصر الجبل من أسفله، وتخنق السهل من امتداده، فتضيق المساحات التي كانت يومًا متنفسًا طبيعيًا وسياحيًا.
ففي موسم الخريف في ظفار، تتجلّى عظمة المكان و الضباب ينساب على الهضاب، والمراعي تنتعش، وأنماط الرعي تختلف تبعًا لإيقاع المطر وهنا تتجسد علاقة الإنسان بالأرض في أبهى صورها توازنٌ دقيق بين الحاجة والحفاظ بين الاستفادة والاحترام. فهل يُعقل أن يُختزل هذا المشهد في مخططٍ إسمنتيٍّ لا يرى من الجبل سوى رقم قطعة أرض؟
كذلك فإن الثروة الحيوانية في جبال ظفار ليست تفصيلًا هامشيًا، بل موردٌ اقتصادي يحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة والزراعة الموسمية، والحرف التقليدية، والمنتجات الريفية، جميعها يمكن أن تتحول إلى أعمدة اقتصاد محلي مستدام إذا ما وُضعت في إطار استراتيجي بعيد عن منطق الربح السريع.
لقد خسرنا مساحات من السهول بتحويلها إلى مجمعات ومنشآت سياحية. ولا أحد ينكر أهمية السياحة، لكنها تبقى نشاطًا سريع التأثر بالمتغيرات العالمية أما الاستثمار في الأرض، زراعةً ورعيًا وإنتاجًا، فهو استثمار في الجذور، في الاستقرار، في أمنٍ غذائي لا تهزه الأزمات.
والتاريخ شاهد؛ فقد عُرفت ظفار بزراعة القطن ومحاصيل أخرى كانت تُصدَّراللبان إلى الخارج، في دلالة واضحة على خصوبة الأرض وقابليتها لاحتضان مشاريع زراعية كبرى. فهل من الحكمة أن نستبدل الحقول بمخططات، والمراعي بشوارع، دون حسابٍ دقيق لما نخسره؟
القضية ليست رفضًا للتخطيط، ولا اعتراضًا على التطوير، بل دعوة إلى إعادة تعريف معنى التنمية فالتنمية التي تُقصي الطبيعة ليست تنمية، والتي تُبدّد الهوية ليست تقدمًا.
والتلويح في تحويل السهل والجبل إلى وزارة الإسكان ليتم تخطيطه حتما سيخلق صراعًا بين التنمية والحفاظ على البيئة، بل بين نوعين من التنمية تنميةٍ ترى في الأرض موردًا سريع العائد، وأخرى تراها شريكًا طويل الأمد في بناء المستقبل وهي الأسلم والأمن
فإذا وُضعت الجبال والسهول على طاولة التخطيط بوصفها أراضي قابلة للتقسيم فقط، فإننا لا نغيّر شكل المكان فحسب، بل نغيّر مستقبله، ونفقد هويتنا وجزءًا من ذاكرتنا الجماعية
الجبال والسهول في ظفار ليست فائض أرض… إنها ثروة، وهوية، ومورد استراتيجي طويل الأمد والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة اليوم ليس: كم قطعة أرض يمكن توزيعها؟ بل اي مستقبل نريد لهذه الإرض ؟
إن الإسكان الريفي ليس مجرد سياسة إسكانية، بل اختبار لفلسفة الدولة في إدارة مواردها الطبيعية
فهل نختار أن نكون أوفياء لخصوصية الجبل والسهل؟ أم نسمح للخرائط أن تضيق بما كانت الطبيعة قد وسّعته؟
فإما أن نكتب قصة تنميةٍ تحفظ الجبل والسهل معًا، وإما أن نكتشف متأخرين أن ما كان يمكن أن يكون سلةً غذائيةً ورافد إقتصاديا ومتنفسًا طبيعيًا… أصبح مجرد مخططٍ على ورق دون روح .
والسؤال باقٍ، والإجابة ستُكتب على سفوح الجبال… إما خضراء كما عرفناها، أو رمادية كما يعرفها التخطيط الإسكاني ؟ .

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img