شبكة الأمان… حين تُراجع الأرقام وتُنسى البيوت

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

قرأتُ وتابعتُ في الآونة الأخيرة تصاعد الحديث عن “المطالب المجتمعية” بوصفها مبررًا لمراجعة بعض منافع الحماية الاجتماعية، بدءًا من إعادة هيكلة منفعة كبار السن، وصولًا إلى ما يُتداول حول مراجعة منافع أخرى.

وأمام هذا المشهد، يبرز سؤال هادئ لكنه عميق: متى أصبحت شبكة الأمان الاجتماعي ملفًا قابلًا للتقليص كلما ارتفع صوتٌ غير واضح المعايير يطالب بالمراجعة؟

اللافت أن المطالب التي تدعو إلى القطع أو التخفيض تجد طريقها سريعًا إلى التنفيذ، بينما المطالب التي تنادي بالتوسعة، أو بالتخفيف عن كاهل الأسر، أو بمراعاة ضغوط المعيشة المتصاعدة، تبقى طويلًا في منطقة الانتظار.

وهنا يصبح التساؤل مشروعًا: من الذي يعرّف “المطلب المجتمعي”؟
وما أدوات قياسه؟
وهل تُبنى قرارات تمس استقرار آلاف الأسر على انطباعات عابرة، أم على دراسات معلنة تقيس الأثر الاجتماعي قبل المالي؟

ومع خروج عدد من كبار السن من الاستحقاق، ظهرت آثار اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
فكثير من تلك المنفعة لم تكن تذهب إلى رفاهية فردية، بل كانت تسد فجوة حقيقية داخل أسر تضم أبناءً خريجين وباحثين عن عمل، يعيشون مرحلة انتظار طويلة بلا دخل ثابت.
في هذه البيوت، كانت منفعة المسن تمثل دعمًا للأسرة بأكملها، ومع توقفها لم تتوقف الالتزامات: إيجارات، فواتير، أقساط، ومصروفات يومية تتزايد مع موجات التضخم.

في الوقت ذاته، ما زالت عبارة “لا تعمل” تُقال عن ربة البيت، رغم أن يومها يبدأ قبل الجميع وينتهي بعد الجميع.
هي التي تربي، وتتابع، وتدير، وتحتوي، وتصنع التوازن النفسي داخل الأسرة.
غياب الراتب لا يعني غياب العمل، كما أن غياب المسمى الوظيفي لا يلغي القيمة الاقتصادية والاجتماعية للدور.
ولو قُدّر لهذا الجهد أن يُقاس بلغة السوق، لأدركنا أن ما تؤديه ربة البيت وظيفة كاملة الأركان، تسهم في بناء رأس المال البشري الذي تقوم عليه التنمية ذاتها.

إن إدراج ربات البيوت ضمن مظلة الحماية الاجتماعية ليس تفضّلًا، بل اعتراف بدور تنموي حقيقي، واستثمار وقائي يحمي الأسرة من الانكشاف المالي في حال تعثر المعيل أو غيابه.

وكذلك فإن إقرار منفعة واضحة للباحثين عن عمل، ضمن ضوابط التدريب والبحث الجاد، ليس عبئًا ماليًا صرفًا، بل أداة استقرار اجتماعي تمنح الشاب فرصة البحث الكريم دون ضغط يرهق الأسرة أو يدفعها للاستدانة.

الحماية الاجتماعية في جوهرها عقد ثقة بين الدولة والمجتمع. والاستدامة المالية مهمة بلا شك، لكن الاستدامة الاجتماعية لا تقل أهمية.

فالاستقرار لا يُبنى بالأرقام وحدها، بل بشعور المواطن أن شبكة الأمان ثابتة وعادلة، وأن مراجعتها تتم بشفافية ومعايير واضحة، لا استجابةً لمصطلحات فضفاضة لم تُعلن أدوات قياسها.

المجتمع اليوم لا يطلب رفاهية، بل يطلب أمانًا وإنصافًا.
يطلب أن يُنظر إلى الأسرة كوحدة متكاملة عند تقييم الاستحقاق، لا كأفراد معزولين.
ويطلب أن يُعترف بأن من أفنى عمره في خدمة وطنه، ومن يربي الأجيال في صمت، ومن ينتظر فرصة عمل بكرامة، جميعهم جزء من معادلة الاستقرار الوطني.

فإذا كنا نتحدث عن تنمية مستدامة، فلنبدأ بحماية من يقومون عليها.
وإذا كنا نراجع الأرقام، فلنقرأ معها أثرها في البيوت.
فالعدالة الاجتماعية ليست رقمًا يُخصم، بل توازنًا يُحفظ.

الحماية الاجتماعية ليست بندًا قابلًا للتقليص كلما ضاق الهامش المالي، بل هي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع.
وكل قرار يُتخذ في هذا الملف لا يمس رقمًا في جدول، بل يمس بيتًا، وأمًا، ومسنًا، وشابًا ينتظر فرصة.

إذا كنا نبحث عن استدامة حقيقية، فلنوازن بين الحسابات المالية وحسابات الاستقرار الاجتماعي.

فالميزانيات قد تُعدّل كل عام، أما الثقة إذا اهتزت… فلا تُستعاد بسهولة.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img