الكاتب: محمد بن عبدالله الراسبي.
حسب تقرير CNN الاقتصادية، تحتل سلطنة عُمان في عام 2025 المرتبة الخامسة خليجيًا والتاسعة عربيًا بـ3.5 مليون سائح فقط، أما عالميًا فتصل إلى المرتبة 83 في بعض التقارير. ماذا تعني لنا هذه الأرقام؟ لا أعتقد أنها مرضية أو تُلبي الطموح.
التصنيف أعلاه لا أستغربه، فنحن الآن في عام ٢٠٢٦، ولا توجد لدينا واجهة سياحية تحمل طابع الحداثة والاستدامة يُشار إليها بالبنان أو تحفظها الذاكرة إقليميًا أو عالميًا، سواء كانت برية أو بحرية أو ترفيهية.
ولو سألنا السائح عن أفضل المواقع التي زارها في السلطنة، ربما لن يتعدى جوابه سقف المنتجات الأهلية والجهود الذاتية، إضافة إلى مطرح،. ولولا جمال طبيعة عمان وواجهاتها الساحرة، وما خلفه أجدادنا من تراث ومفرداته، لوجدنا الخيارات شبه منعدمة
التنافس في إقامة المهرجانات الشتوية او غيرها لا يعتبر نجاحًا استراتيجيًا كونها وقتية، خاصة أن تقليد المحافظات لبعضها البعض أصبح ملحوظًا، والتشابه شبه تام، وتفتقد إلى الجودة والتنوع (إلا ما ندر). وربما لا يغطي العائد التكاليف، ولا يلام المنظمون في ذلك لأنه الخيار المتاح فقط، وهذا لا يعد نجاحًا على المدى الطويل، وليس الذي نأمله.
هناك سياحة موسمية قصيرة المدى ذات جودة لا أجدها سوى في الخريف، والتي تتميز بأفكار مبتكرة، وهناك السياحة طويلة المدى التي تحقق الاستدامة وتغرس جذورها في الاقتصاد الأهلي والوطني، ونجد نموذجًا له في العقر (نزوى). أما باقي النشاطات فهي غالبًا رمزية الحضور، وليس حضورًا فعليًا في خانة السياحة.
الاستثمار في السياحة لا يحتاج إلى تردد أو تعثر، لأنه ليس خسارة، بل له عوائده المالية والمجتمعية على المدى الطويل، ومحطاته مطلوبة سواء من المواطن أو السائح. ولا يوجد ملامة في تقليد التجارب الناجحة لدول أخرى، طالما تبني المفيد وفق المعايير المطلوبة وتطبيقه لتعزيز التنوع الاقتصادي وليس للترفيه فقط.
كم سافرنا ورأينا وتمنينا أن يكون مثل هذا أو ذاك في وطننا، لكن بطء عجلة التنمية السياحية وعدم وجود استراتيجية واضحة حتى اليوم، عطل تحقيق ما يفوق التوقعات أو يتناسب مع الطموحات.
نريد سياحة تحرك رواكد الموارد الكامنة، الطبيعية والبشرية المتعطشة، وتسخيرها لزيادة تنوع المنتجات. لدينا الممكنات، لكن ليس لدينا التمكين لرؤية واقع سياحي متكامل، لأن الحذر المفرط يولد التأخر، والذي بدوره يفقدنا فرصًا اقتصادية قبل أن تكون سياحية.
كم صرفنا من ملايين الريالات على المؤتمرات الإقليمية والدولية سنويًا بهدف التسويق في أوروبا وغيرها، وحتى في شوارعها ووسائل النقل الخاصة بها؟ هذه خطوة جيدة، لكنها غير مكتملة أو غير ناضجة، ما لم يواكبها بنية تحتية سياحية أساسية متكاملة، ذات جودة عالية، بما يتفرد عن ما انتهى إليه الآخرون. سياحتنا تظل بكراً وتبحث عن التكاملية.
أتمنى تركيزا بأن نرى خلال السنوات الخمس القادمة واجهات سياحية مميزة في كل ولاية، وليس فقط في المدن الرئيسية، وأن يكون الاستثمار مشتركًا بين الحكومة والقطاع الخاص، مع التركيز على تصاميم عصرية وراقية، تشمل المماشي والمطاعم الفاخرة والمقاهي والمحلات والرفاهية المقننة، إلى جانب سياحة طبيعة الجبل والسهل والوادي والفلج والقلعة والحصن والحارات القديمة.
استحداث صندوق خاص للاستثمار السياحي، كأي صندوق استثماري آخر، له ميزانيته وخططه وأهدافه وتنافسيته، من خلال التركيز على تعظيم وتجويد الخطوط السياحية المتنوعة مثل السياحة العائلية والمجموعات والمغامرات والبيئية، إضافة إلى المؤتمرات والمعارض والمسابقات الدولية، بهدف تعزيز الاقتصاد الوطني لزيادة الناتج المحلي بما يلبي الطموح اللا محدود، وتوأمة السياحة الحديثة مع طبيعة البيئة العمانية، وهو ما سيولد نتائج كبيرة ويعزز فرص العمل.
ولذلك، تأتي الكلمات الملهمة لصاحب السمو ذي يزن في ملتقى “معًا نتقدم” الأخير لتلخص الأمل وتؤكد أهمية المبادرة والتطوير في قطاع السياحة، حيث قال سموه ردًا على استفسار حول السياحة:
“نحن بدون هذه التعديلات البسيطة وعمان تحظى بسمعة طيبة فما بالك لو قمنا بهذه التعديلات؟ إن شاء الله سنصل بما نرغب اليه وبما يرضيكم بإذن الله.”
بهذه الكلمات، تتجسد الرؤية التي نحتاجها لعُمان لتحقيق تقدمها بين الدول السياحية، مؤكدة أن مايتمناه الجميع يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس بإذن الله، ليكون بداية تنفيذ بما يعزز الطموح الوطني في توطين السياحة واستدامتها.


