الرقص فوق المواجع

نشرت :

عادل بن رمضان مستهيل

adel.ramadan@outlook.com

“الرقص فوق المواجع” ليس تعبيرًا بلاغيًا بقدر ما هو حالة إنسانية خالصة، يعيشها أولئك الذين لم يجدوا ترف الانهيار. الذين تعلموا مبكرًا أن الحياة لا تتوقف احترامًا للحزن، وأن العالم لا يمنح مهلةً لالتقاط الأنفاس. فيضطرون إلى الاستمرار، لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم لا يملكون خيارًا آخر.
كم من وجهٍ يبتسم في النهار، بينما ينزف في الليل بصمتٍ كامل؟ كم من ضحكةٍ مرت على مسامعنا كانت في حقيقتها محاولة يائسة لتغطية صدعٍ داخلي يتسع كل يوم؟ نحن لا نرى المواجع، لكنها ترقص في تفاصيل البشر: في ارتباك الكلمات، في الشرود المفاجئ، في ذلك الصمت الذي يطول أكثر مما ينبغي.
الرقص فوق الوجع هو أن تمشي بثبات بينما داخلك يتهاوى. أن تُجيد أداء دورك في الحياة كأنك لم تُكسر يومًا، وأن تُتقن إخفاء الشروخ حتى عن أقرب الناس إليك. هو أن تتقن فن النجاة، لا لأنك تحب الحياة، بل لأنك اعتدت على الألم حتى صار جزءًا من إيقاعك اليومي.
ليس أشد قسوة من أن يعتاد الإنسان حزنه. حين يتحول الألم من طارئ إلى مقيم، من صدمة إلى روتين. عندها، لا يعود البكاء كافيًا، ولا يصبح للشكوى معنى. يكتفي المرء بالصمت، ويرقص… نعم، يرقص فوق كل ما يؤلمه، كأن الحركة وحدها تمنعه من السقوط الكامل.
وفي هذا العالم المزدحم بالضجيج، لا أحد ينتبه لذلك الراقص المتعب. الجميع منشغلون بإيقاعاتهم الخاصة، بأوجاعهم التي يظنونها الأثقل، دون أن يدركوا أن لكل إنسان مسرحه الخاص، وجرحه الذي لا يُرى.
لكن، رغم كل ذلك، يظل في هذا الرقص شيء من البطولة الصامتة. ليس لأن الألم جميل، بل لأن القدرة على الاستمرار رغم قسوته فعلٌ يستحق التأمل. أن تعيش، أن تواصل، أن تبتسم أحيانًا… هذه ليست تفاصيل عادية، بل انتصارات صغيرة لا يصفق لها أحد.
الرقص فوق المواجع ليس اختيارًا، بل قدرٌ يتقنه من لم يُمنح رفاهية الانكسار. وربما، في لحظة ما، حين يهدأ الإيقاع قليلًا، يتوقف ذلك الراقص ليلتقط أنفاسه… لا ليهرب من ألمه، بل ليمنح قلبه فرصةً ليصدق أنه، رغم كل شيء، ما زال حيًا.

من أبلغ الآيات التي تُجسّد هذا المعنى بدقة وعمق:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
— سورة الشرح (5-6)
هذه الآية تختصر فكرة “الرقص فوق المواجع” في أرقى صورها؛ إذ تشير إلى أن الاستمرار وسط الألم ليس عبثًا، وأن داخل كل معاناة خيطًا خفيًا من التيسير، حتى وإن لم يُرَ في لحظته.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img