بقلم: ميادة رامس عبدالله


بين دفّتي الحكاية، حيث تتقاطع الظلال مع الضوء، وتتشابك خيوط الواقع بالوهم، تقف القصة كمرآةٍ خفيّة تعكس أعماق الإنسان وأسئلته المؤجَّلة. في مجموعة «من علو ٢» للكاتبة نسرين مسن، لا نقرأ مجرد أحداثٍ متتابعة، بل نخوض تجربة شعورية تتسلّل إلى الداخل بهدوء، ثم تعيد تشكيل وعينا بالحياة وما يعتريها من تحوّلات.
إنها كتابة تنبض بالقلق الإنساني، وتُحسن التقاط اللحظة الهشّة بين اليقين والشك، لتصوغ منها عوالم سردية تتأرجح بين البراءة والغموض، وبين السقوط والخلاص. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة محاولةً للاقتراب من تلك العوالم، واستكشاف ما تختزنه من دلالات ورؤى تتجاوز ظاهر الحكاية إلى عمق التجربة الإنسانية.
(كل هذا الوقت سوف يمضي)
من هذا المنطلق، تأخذنا الكاتبة نسرين مسن من جديد في رحلة إبداعية مشوّقة. فبعد أن قرأتُ مجموعتها القصصية «من علو ١»، أبحرت بي حروفها في رحلة إبداعية أخرى، بدأتُها من قرية السبتية، تلك القرية التي مرّت بأحداث مريبة تمثّلت بابنها «سبت» الذي أربك القرية بهيئته وطباعه الغريبة، حيث كان بالنسبة لهم كائناً غريب الأطوار.

وفي خضم الأحداث المتتالية، تمرّ القرية بأمور كثيرة تجعلها ما بين الشك والجزم، وبين الواقع والوهم، حيث تتغيّر أحوالها بين عشية وضحاها، ويكون فيها «سبت» نذير شؤم على من حوله، حيث تمتزج البراءة بالغدر، ويطغى النفور والصدّ على عاطفة الأمومة.
تحمل القصة في طيّاتها أحداثاً مشوّقة وجميلة، تخبرنا أن من رحم الألم يولد الأمل، وأن لا شيء يدوم للأبد، فما بعد ظلام الليل الدامس إلا صباحٌ مشرق بالأمل، وما بعد العسر إلا اليسر، وأن الندم الذي قد يصل متأخراً خيرٌ من ألا يصل أبداً. وأن شخصية «سبت بن عيد» هي بمثابة خارطة ذهنية للقارئ، فحواها أن ما ضاقت إلا وفرجت، وأن العسر يتبعه اليسر، وألا نأسى على ما فاتنا. هكذا نسجت الكاتبة نسرين حروف قصتها التي أبهرتني كثيراً.
ثم تأخذنا الكاتبة إلى رحلة على جناح تلك الأرواح التي كانت تعيش على فطرتها، تحلّق وتهاجر، وتتعرّض للمخاطر من أجل البقاء، لتقودها أجنحتها إلى جنّة غنّاء يأتيها رزقها رغدًا ، إذ تنعم هناك بكل شيء إلا الحرية، حيث تكبّل القوانين الصارمة فطرتها التي فُطرت عليها، لتتأقلم مع واقعٍ مغاير ونمط حياة لا يمثّل كينونتها.
إلا أن هذا التكيّف القسري يُحدث مع مرور الوقت حالة من الفوضى تزعزع الثوابت وتغرس الفتن، فينقلب النعيم إلى جحيم: (فيحلّق الناجي منها لأيامٍ وليالٍ طوال، غير قادر على الهبوط إلى أرضه، أو الخروج عن سمائه، لا اتجاه له يقصده، ولا بوصلة ترشده، ولا أرض ينتمي لها، ولا سماء تحتضنه).
تخبرنا نهاية قصة «جحيم الجنان» أن النجاة تكمن في إيجاد الوجهة لا في طول الرحلة، وأن من فقد بوصلته ضاع في كل الاتجاهات، وأن التيه هو سجن الروح، والعودة هي مفتاح الخلاص.
ومن نهاية قراءتي لقصة.. «جحيم الجنان»، ومن مفتاح الخلاص، نجد الكاتبة تؤكد رؤيتها الثاقبة والحكيمة في قصة «اختفاء أبو دهيش»، بأن التيه سجن الروح، وأن النفس البشرية الآثمة التي يتمكّن منها الشيطان وتسيطر عليها ظلاله، تبقى أسيرة له ما لم تعد إلى الله وتتمسّك بالعروة الوثقى. فكم من نار عظيمة كانت من مستصغر الشرر.
وفي الختام، تقدّم مجموعة «من علو ٢» تجربة سردية عميقة تتجاوز الحكاية إلى التأمل في النفس والوجود، حيث تنجح الكاتبة نسرين مسن في رسم عوالم إنسانية نابضة بالرمز والمعنى.

