بقلم: أحمد معروف اليافعي
ليس الألم في أن تُخطئ… بل في أن تُفهم خطأ.
في زمنٍ تتداخل فيه النوايا مع التأويلات، وتُقاس فيه الأفعال بسطحية، يعيش كثيرون وهم يحملون داخلهم صدقًا لا يراه أحد، وجهدًا لا يُقدَّر، وطموحًا يُساء تفسيره قبل أن يُفهم.
أن تُفهم… ليس أمرًا بسيطًا كما يبدو. هو رحلةٌ طويلة بين ما تقصده، وما يصل للآخرين. بين حقيقتك، وصورتك في أعينهم. وبين نيتك، وتأويلاتهم.
كم من صادقٍ وُصف بالمراوغة، وكم من واثقٍ نُعت بالغرور، وكم من طموحٍ اتُّهم بحب الظهور. ليس لأنهم كذلك، بل لأن من حولهم لا يرى إلا بما اعتاد عليه، لا بما هو كائن فعلاً.
وحين تكون مختلفًا… تبدأ الحكاية.
حين لا تجامل، تُفهم أنك متعالي.
حين تقول رأيك بوضوح، تُتّهم بالحدة.
حين تسعى للأفضل، تُحاصر بالشك.
وحين تنجح، يُقال إنك تبحث عن الضوء.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، أن الاختلاف ليس خطأ، وأن الوضوح ليس جريمة، وأن الطموح ليس عيبًا.
المشكلة ليست فيك دائمًا… بل في بيئةٍ اعتادت على النسخ، لا على النماذج. في عقولٍ ترتاح للمألوف، وتخشى من كل ما يكسر الصورة المعتادة. في مجتمعٍ قد يرى في تميزك تهديدًا، لا إضافة.
وحين لا يفهمك الآخرون، تبدأ معركة صامتة.
معركة إثبات… ليست لهم، بل لنفسك.
تحاول أن تشرح، أن توضّح، أن تُقنع… ثم تدرك أن بعض الفهم لا يأتي بالكلام، بل بالزمن.
لذلك، لا تتعب نفسك كثيرًا في محاولة أن تكون مفهومًا للجميع. لأن من يريد أن يفهمك، سيبحث عنك في نواياك لا في أخطائك. ومن لا يريد، سيجد ألف تفسيرٍ يليق برفضه.
افهم نفسك أولًا… فهذا يكفي.
كن واضحًا، حتى لو أزعج الوضوح.
كن صادقًا، حتى لو أُسيء فهمك.
كن كما أنت، لا كما يريدونك أن تكون.
لأن أسوأ ما قد يحدث، ليس أن يسيء الآخرون فهمك…
بل أن تفقد نفسك وأنت تحاول أن تكون مقبولًا لديهم.
وفي النهاية، سيأتي يوم ولو بعد حين يفهمونك.
لكن بعد أن تكون قد تعبت من الشرح، وتعلمت أن تمضي دون انتظار لن يهم إن فهموك.
لأنك أخيرًا… فهمت نفسك.

