بين المطرقة والزبرة

نشرت :

سالم العمري أبو سهيل

لما زاد وزني وثقلت خطواتي، قررت أن أُبرم مع نفسي عهدًا أن أمارس الرياضة لا أخلفه، يبدأ من بعد صلاة الفجر حين تكون الدنيا ساكنة والهواء مغسولًا بالنّدى. اخترت الغابة طريقًا، فهي لا تسأل عن سبب مجيئك، تفتح لك صدرها فقط.

كانت أولى خطواتي من عند شجرة اللبان. جذعها معروقٌ ككفِّ شيخ، ورائحتها تملأ الصدر هيبة. هذه الشجرة ذات الشهرة التي عبرت البحار منذ الزمن القديم، ما زالت تجود بما فيها: اللبان للبخور والعلاج. وأنواعه: الحوجري وهو اجودها، ثم النجدي، ثم الشزري، ثم الشعبي. كل قطرة صمغ فيها حكاية قوافل.

واصلت سيري والظلال تتمدد وتتقلص فوقي كأن الغابة تتنفس. حتى بلغت كبدها، حيث الأشجار تتكاتف والنهر يجري. ماءٌ عذبٌ صافٍ، يلمع كفضةٍ مصقولة، شكله يأسر النظر ويُسكت الضجيج في الرأس. ركعت على ركبتيّ وأخذت غرفةً بيديّ، وما إن مس الماء شفتيّ حتى ثقلت أجفاني وغصت في نومٍ عميق، كأن النهر سقاني سرّه.

لم أفتح عيني إلا وأنا على سريرٍ من خشب الصاج، وثيرٍ كأنه صُنع من غيم. لكن الدهشة لم تكن في السرير، بل في الهمس الذي يتناهى إلى سمعي: حوارٌ دائرٌ بين المطرقة والزبرة. سأنقله لكم، لكن بعد رشفة من شاي النعناع الساخن، الذي يسميه أهل بعض الولايات “شاي الغاغا”، ويحلفون أنه يفتح أبواب الكلام.

تعمل أمُّ المطرقة والزبرة صائغةَ فضة. أصابعها تعرف طريق المعدن، تضرب فيلين، وتُلين فيقسو، حتى يخرج الحُليّ من بين يديها غايةً في الجمال والإتقان. وقد ورثت البنتان عنها صلابة الصنعة ودفء القلب.

المطرقة: يا أختي، جئت أزوركِ وفي صدري أسئلةٌ تطرق كطرقي على الحديد. 

الزبرة: وأنا في انتظارك، فالأسئلة إذا لم تُقل تُصدئ القلب. 

المطرقة: نحن توأمتان خرجنا من رحمٍ واحد، فلماذا سمّوكِ “الزبرة”؟ 

الزبرة: سألت أمنا ذات مساء فقالت وهي تمسح العرق عن جبينها: يا ابنتي، الزبرة سندانٌ من حديدٍ صلب لا يلين. يتحمل الطرقات مهما عظمت قوتها، ويُحفر له في جذعٍ قويّ ويُثبَّت. هو يتلقى الضرب ولا يهرب، يئنّ تحت المطرقة لكنه لا ينكسر. فمن ثبت عند الشدة استحق اسم الزبرة. وأنتِ، لماذا سمّوكِ المطرقة؟ 

المطرقة: سألتها السؤال نفسه، فتبسمت وقالت: ماذا نسمي الضرب على الباب حين يأتي ضيف؟ قلت: طرق. قالت: يوم وُلدتِ، سقطتِ على ظهر أختكِ فأصدرتِ صوتًا كصوت الباب حين يُطرق لقدوم البشارة. فسمّيتك المطرقة، لأنكِ تعلنين القدوم. 
الزبرة: وما سرّ هذا الخشب المغروس في وسطكِ؟ 

المطرقة: هو سرّكِ أنتِ أيضًا يا زبرة. الخشب لنا هو الصبر. الحديد وحده يقتل الكف، والخشب وحده تنكسر به الهامة. لكنهما معًا يصنعان الأداة.

الزبرة: صدقتِ. فنحن لا قيمة لإحدانا دون الأخرى. عندما نتفاعل، نصدر رنينًا يوقظ النائم ويستدعي السامع. وربما من سمع رنيننا اخترع شيئًا عظيمًا، كما فعل الخليل بن أحمد الفراهيدي حين رمى الحجر في البئر فأصغى للصدى واخترع علم العروض من إيقاع الماء. 

المطرقة: فماذا يستفيد الناس منّا إذن؟ 

الزبرة: يا أختي الغالية، يستفيدون الكثير: 

– نكسر القاسي الذي استعصى. 

– ولي الدور الأكبر في صناعة الحُلي، أبسط المعدن صفائحَ رقيقة كأوراق الورد. 

– نحول الصلب العنيد إلى شكلٍ ليّنٍ مطواع. 

– نمدّد الأشياء ونرقّقها حتى تبلغ مقصدها. 

– ونقوّم المعوجّ إذا مال، فنعيده إلى استقامته. 

المطرقة: إذن هيا بنا نزور أخواتنا الأدوات في القرية المجاورة، لعلّنا نجتمع كلّنا. 

الزبرة: والرجل النائم عندنا، ماذا نفعل به؟ 

المطرقة: اتركيه، فهو في أمان. وخلال طريقنا، ربما نعثر على “عشبة الحياة” التي تبحث عنها الأرواح المتعبة.

الزبرة: هيا بنا.

ما إن خرجتا حتى شعرت بالبرد يسري في أطرافي. قمت من الفراش ويممت وجهي نحو بيتي، لكني أخطأت الدرب وأخذني مسارٌ آخر فتهت. مشيت حتى خانتني قدماي، فجلست تحت نخلة نارجيل (شجرة جوز  الهند) باسقة، سعفها مظلةٌ وجذعها متكأ. فلما سكن تعبي، تسلقتها بلا حبل، فاليد تعرف شغلها منذ الصغر. قطفت ثمرتين، شققت الأولى وشربت ماءها، فكان باردًا حلوًا يغسل الحلق والروح معًا. ثم كسرت الثانية وأكلت “الفقيش” — اللب الأبيض — وكان طعيمًا، كأن الحلاوة سكنت فيه. شبعت وارتويت، فأسندت ظهري للجذع وهمست: “يا نخلة، ما حكايتك؟” 
فحكت لي عن السفر في البحر، وعن الملح الذي لا يضرها، وعن السعف الذي يصير بيتًا، والليف الذي يصير حبلًا، والثمر الذي يصير زادًا. كان حوارها درسًا في العطاء بلا منّة.

ودّعتها وعدت أدراجي إلى بيتي.

ما إن وصلت حتى اغتسلت بماءٍ بارد يمحو أثر الغابة، ثم رفعت الهاتف واتصلت بصاحب “متحف تواصل الأجيال”. حكيت له ما جرى، فضحك وقال بصوتٍ واثق: “كل ما سمعته حق. تعال إلينا، فالمطرقة والزبرة عندنا، ومعهما إخوةٌ وأخواتٌ من زمن أجدادك. المتحف ليس حجارةً صامتة، هو ذاكرةٌ تتكلم”.

في اليوم التالي كنت عند بابه. دخلت فأخذتني الدهشة من يدي. رأيت المطرقة والزبرة على رفّ من خشب، وبجانبهما المنفاخ والمصات والطوابع والقوالب. لمستهم فأحسست بحرارتهما، كأنهما خرجتا للتو من يد الصائغة. تجولت حتى وقفت أمام مرآة قديمة، فرأيت فيها وجهي… ووجه صاحب المتحف… كأننا شخصٌ واحد فرّقته السنون.

المهم… لن أخبركم بكل ما رأيت. بعض الأسرار لا تُروى، بل تُزار. إن أردتم أن تعرفوا، زوروا المتحف.

المهم… صحيت من نومي على طرقاتٍ قويةٍ على باب غرفتي، وصوتٍ أعرفه يناديني: “قُم، تأخرنا على العزيمة، والناس ما تحب اللي يتأخر”. 
فقمت، وفي أذني لا يزال رنين المطرقة والزبرة، وفي يدي دفء الفقيش، وفي صدري سؤال: هل وجدتُ “عشبة الحياة” أم أنها هي التي وجدتني؟

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img