“بيت العنكبوت” لشريفة التوبي.. روايةٌ عن تجربة المرأة في مواجهة الانكسار

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

في زمن تتشابك فيه العلاقات الإنسانية وتتعقد مسارات البحث عن الذات، وتتوارى فيه الحقائق خلف أقنعة مجتمعية مزيفة، تأتي رواية "بيت العنكبوت" للكاتبة العمانية شريفة التوبي، لتمثل صرخة مدوية وبوحاً سردياً عميقاً يغوص في تعقيدات النفس البشرية وتجربة المرأة في مواجهة الانكسار والخذلان.

تقدم الرواية وثيقة إنسانية حيّة تُشرّح هشاشة بعض الروابط الأسرية والزوجية التي تبدو متماسكة من الخارج، بينما هي في حقيقتها واهية كخيوط "بيت العنكبوت". ومن خلال صفحات هذا العمل الأدبي، تنسج التوبية حكاية بطلتها، المرأة التي تقرر كسر جدار الصمت وإعادة ترتيب قطع حياتها المبعثرة، لتخرج من شرنقة الخوف إلى فضاءات المواجهة والتحرر.

تبدأ الرواية بعتبات نصية ذات دلالات عميقة، تضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام الجوهر الفلسفي للعمل. يبدأ الكتاب بإهداء استثنائي نقرأ فيه: "إلى كل الأسماء المقيّدة بتاء التأنيث، والأسماء التي فلتت من هذا القيد"، يتبعه اقتباس ملهم للكاتبة والناشطة الأمريكية مايا أنجيلو: "إنّه لأمر مدهش أن تكوني امرأة، إنّها مغامرة تتطلب الشجاعة، وتحدياً لا ينتهي".

هذه العتبات تمهد الطريق لرواية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تستنطق الأعماق وتطرح أسئلة شائكة حول مفاهيم التضحية، والصمت، والوهم، والشجاعة اللازمة لاستعادة الهوية المفقودة.

تدور أحداث الرواية حول "وردة"، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، عاشت طويلاً معتقدة أنها مجرد رقم منسيّ على هامش الحياة، وأنها ليست حكاية تستحق أن تُروى. تصف البطلة حالتها في بداية الرواية بتأمل فلسفي شجي قائلة: "كنت أنظر إلى كل إنسان في هذا العالم على أنه مشروع حكاية، حكاية من الممكن أن تُحكى أو تكتب أو تُقرأ، إلّا أنا، كنت بعيدة كل البعد عن أن أكون هذا المشروع أو تلك الحكاية. ربما لأني في الأصل لست حكاية، ولأني كنت بعيدة عني… حتى اكتشفت ذات يوم أن حياتي أحجية، تفاصيلها مخفية في قطع مبعثرة بلعبة (بازل)، وعليّ حلّها وكشف ألغازها".

قررت الكاتبة أن تمنح بطلتها صوتاً ليصدح بكل ما تم كتمانه لسنوات. فالرواية تمثل رحلة لجمع هذه القطع المبعثرة؛ من طفولة قلقة، إلى شباب مثقل بأحلام الحب، وصولاً إلى نضج يتوّج بقرارات حاسمة، رافضة بذلك أن تكون إحدى "النساء المستورات بالتضحية والصبر الصامت".

وتعرّج الرواية ببراعة على الجذور النفسية لمعاناة البطلة، والتي تبدأ من نشأتها في كنف أسرة عانت من قسوة الأب وتضحيات الأم. حيث شكّلت هذه النشأة وعي البطلة وجعلتها فريسة سهلة لوهم الحب؛ هرباً من قسوة الأب وبحثاً عن رجل يعوضها عن كل الحرمان الذي كابدته. تقول عن هذا الإرث: "أردت من زوجي أن يعوضني عن كل ما قاسيته في حياتي… أردت أن يرمم ذلك الانهيار العميق في داخلي، ويجبر ذلك الكسر في روحي".

وفي مشهد سينمائي بالغ الروعة والرمزية، لا تترك الكاتبة بطلتها أسيرة لليأس، بل تجعلها تتخلى عن أحزانها لتغسل المطر روحها المتعبة. وتستحضر الكاتبة في بداية كل فصل مقطعًا من أغاني الفنان محمد عبده وفي الفصل الأخير استحضرت "أتعلمين أيّ حزن يبعث المطر"، لتربط بين شجن الماضي وفرحة الولادة الجديدة. تصف البطلة هذه اللحظة قائلة: "تتساقط حبات المطر كلآلئ بيضاء على فستاني الأبيض… الماء من فوقي ومن تحتي، ولن أغرق، لن أغرق بعد اليوم… أصيح تحت المطر: أنا ابنة المطر".

هنا، تدرك البطلة أن الطريق لا يخون الخطى، بل إن الخطوات وحامليها هم من يخطئون الطريق، وأن التحرر يبدأ من القدرة على خلع حذاء الماضي إذا كان لا يناسب مقاس أرواحنا.

وتتسم رواية "بيت العنكبوت" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، باستخدامها تقنية تيار الوعي والاسترجاع الزمني (الفلاش باك) بمهارة عالية، حيث تتنقل الكاتبة بين ماضي البطلة في شوارع مسقط ونزوى في سلطنة عُمان، وحاضرها في الغربة، لتصنع نسيجاً متداخلاً يربط الأسباب بالنتائج. كما وظفت الكاتبة التراث العُماني الشعبي (مثل الملابس التقليدية كالدشداشة والتلي، والأطعمة الشعبية، ومفاهيم السحر والقصص المتوارثة) ببراعة لخدمة النص وإعطائه هوية مكانية وزمانية واضحة.

وتؤكد الكاتبة شريفة التوبي قدرتها على سبر أغوار القضايا المجتمعية المسكوت عنها، وتسليط الضوء على العنف النفسي الصامت الذي قد تتعرض له المرأة تحت سقف الزوجية. فهي ليست مجرد رواية عن الخذلان، بل إنها تمثل صرخة للحياة، ودعوة صريحة لكل امرأة أن تبحث عن قطعها المفقودة، وأن تعيد ترتيب لوحة حياتها، وألّا تقبل بالبقاء أسيرة في بيوتٍ أوهن من خيوط العنكبوت.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img