“الفصول المؤجّلة”.. روايةٌ تغوص في عوالم الدراويش

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

تُعدُّ رواية "الفصول المؤجَّلة"، الصّادرة عن دار أدليس للنشر والتوزيع بالجزائر، بقلم الروائي سليم بن اعمارة، رحلة فلسفية عميقة في دهاليز الذاكرة والزمن، وتدور أحداثها في مدينة "بوسعادة" السّاحرة، جنوب الجزائر.

تبدأ الحكاية من خلف زجاج مكتبة عتيقة، حيث يعيش البطل "المكتبي" حياةً تذوب فيها الفواصل بين ما يقرأه في الكتب، وبين واقعه اليومي، حتى يجد نفسه يولد ويموت مع الكتب كلّ يوم.

تتمحور الحبكة حول ظهور "صاحب المعطف الأسود"؛ ذلك الغريب الغامض الذي يراقب المكتبي بصمت، ويدوّن كلماتٍ مريبة في ملفه الأصفر، قبل أن يترك خلفه رواياتٍ تحمل أسماء مثل "وجوه السّماء" و "جنان الرومي".

وتبدأ المفاجأة الكبرى حين يكتشف المكتبي أنّ شخوص هذه الروايات، وتفاصيل حياة أبطالها مثل "الكيّاس" و "الحدّاد"، تتقاطع بشكل مذهل مع واقعه، بل وتتنبأ بمصيره. تأخذنا الرواية إلى عوالم "الدراويش" في بوسعادة، كاشفةً عن صراع خفيّ بين دراويش المنطقة الشمالية والجنوبية، وهو صراعٌ يرمز لتصادم المادة والروح، والأصالة والعصرنة.

ومع توغُّل البطل في قراءة المخطوطات التي تركها والده، تنبعث شخوص مثل "الرومي" و "السعيد الجوّاق" من صفحات الورق لتواجهه في قبو بيته، محطمةً جدار الوهم ومطالبةً إياه بإتمام حكاياتهم المؤجّلة.

وفي أجواء من الغموض والتشويق يتساءل القارئ مع البطل: هل نحن من نكتب القصص، أم أننا مجرّد شخوص في رواية أكبر يكتبها قدرٌ مجهول؟

وتناقش الرواية قضايا التخلف والتبعية للمادة، واغتراب الإنسان المعاصر في ظلّ التكنولوجيا، وهي تفيض بعبق مدينة بوسعادة، من شلالات "فيريرو" إلى جبل "كردادة"، ممّا يجعل المكان بطلاً حقيقياً يشارك في صنع الأحداث.

وفي هذه الرواية، يعيش مكتبيٌّ منعزل تقاربًا بين واقعه وخياله لفرط تعمُّقه وتأثره بعالم الكتب. ترك له والده مخطوط رواية غير مكتمل قبل أن يصاب بمرض الزهايمر، ومع محاولته إتمام كتابة المخطوط، تنبعث إليه شخوص الرواية نفسها "دراويش مدينة بوسعادة" محاولين التأثير عليه في إتمام كتابة الرواية. في المقابل يُقبل إليه صاحب المعطف الأسود بالمكتبة، رجل غريب عن المدينة، ينسى كتابين أثناء مغادرته. عندما يفتح المكتبيُّ الرواية الأولى تأخذه وجوه السّماء لسنة (1972)، ويعيش معها فصلاً من حياة "الكيّاس". ثم يفتح الرواية الثانية جنان الرومي (1990) ليعيش فصلاً من حياة "الحدّاد".

ويحاول سبق الأحداث التي عاشها "الحدّاد" و "الكيّاس" من خلال القراءة لكلّ فصل من روايتيهما، قبل عودة صاحب المعطف الأسود، ليتمكن من خلال حياتهما حماية نفسه. تتشابك الأحداث وتدفعه إلى نهاية لحظة تسليمه الرواية لصاحب المعطف الأسود كما فعل الحدّاد والكيّاس قبله. يسابق الزمن ليكتشف نهايتهما، لكنه لم يفلح بعد فقدانه لصفحات أخيرة من الروايتين، لتبقى نهايته غير معلومة بالنسبة إليه، إلى أن يقابل المرأة المسنّة في الأخير.

وتغوص رواية الفصول المؤجلة إلى عمق اللاتوازن بين المادة والروح، والشمال والجنوب، والسماء والأرض، والأصالة والعصرنة، والعقل والقلب، في فضاء مدينة بوسعادة، بتراثها، وثقافتها، ودراويشها الذين يصنعون أحداثها، لننتقل معها بتواريخ متعدّدة.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img