ثمنة الجندل
في ذاكرة الطفولة تبقى بعض الصور عالقة لا تغيب، كأنها نُقشت في الوجدان. ومن تلك الصور، مشهد نساء الحارة وهنّ يتهامسن حول “حبوبة بخيتة”، امرأة في عقدها السابع، ميسورة الحال، لكنها – في نظرهن – “كثيرة الزواج والطلاق”، فقد تزوجت الأكبر سنًا منها، ومن هم في سنّها، بل ومن هم أصغر منها بكثير.
كانت النساء يُسمعنها كلمات النقد مباشرة، بأسلوب قاسٍ وجارح، لا يراعين فيه ذمّة ولا ضميرًا، ولا يحترمن كِبر سنّها، ولا الظروف التي تمر بها. وكانت هي لا تعاتبهن، ولا تُطيل النقاش معهن؛ بل تكتفي بعبارة قصيرة تختصر فيها حكايتها الطويلة:
“اللي ما درى ما سرى”
ثم تصمت، وتتحدث عيناها بدلًا منها، بدموعٍ تنساب على خديها المُجعّدين، وزفراتٍ تحمل آهاتٍ تُثقل أنفاسها. لكنها لم تعد قادرة على الصمت أكثر… فقد حان الوقت لأن تتوقف قاسيات القلوب عن ترهاتهن، وأن يُصغين لوجعها.
وفي أحد الأيام، وبينما يُلقين عليها الكلمات الجارحة، ويرمقنها بالنظرات القاسية السارحة، انفجرت في وجوههن كبركانٍ ثائر، يحمل في أعماقه سنواتٍ من الألم والقهر، وقالت بصراحةٍ هزّت قلوب الحاضرات:
“نعم، أنا كثيرة الزواج والطلاق، لكن ما ذنبي إن كان كل من تقدّم لي يحمل في داخله مطمعًا؟ أنا في هذا العمر لا أبحث عن رفاهية ولا عن متعة، بل أبحث عن أنيس وجليس، لا عن عريس. أبحث عن رفيقٍ يُكمل معي ما تبقّى من الرحلة، يؤنس وحدتي، ويُخفف عني وحشة الليالي وظلمة المساءات، ويُهوّن عليّ ثقل الأيام، ويقتسم معي الصمت والكلام، ويُطمئنني بأنني لست وحدي. أبحث عن رجل لا يخذلني في تفاصيل الحياة.”
ساد الصمت الثقيل، وخيّم الهدوء الطويل؛ فالحقيقة حين تُقال بصدق، تتلاشى أمامها الضحكات، وتخرس الألسن، وتنحني الكلمات خجلًا. الحقيقة حين تُكشف… تُربك الجميع.
وفي مجلسٍ آخر، دار حديث عن رجلٍ مُسنّ يعيش وحيدًا، يتزوّج ويُطلّق. تعددت زوجاته، واختلفت أعمارهن وصفاتهن، وحين سُئل عن السبب، قال بهدوء:
“ما أحد يهدم بيته بيده؛ لو وجدت من تُكمل الطريق معي، لأعطيتها عيوني.”
منذ وفاة زوجته الحنونة، وهو يبحث عمّن يُشبهها، أو حتى يقترب منها؛ من تفهمه وتُقدّر ظروفه واحتياجاته، لكنه – للأسف – لم يجد أنيسًا وجليسًا لما تبقّى من عمره.
هنا تتجلى المفارقة… بين الحكايتين، وتنكشف حقيقة إنسانية عميقة: أن الإنسان، في مرحلةٍ من عمره، يظل محتاجًا إلى رفيقٍ تألفه الروح ويأنس به القلب؛ شخصٍ سهل المعشر، يُخفف وحشة الأيام وثقل الليالي.
وأن الأحكام السريعة والمسبقة قد تظلم القلوب وتكسر النفوس؛ لأنها ترى السلوك فقط، وتغفل عن الأسباب والظروف.
ومن هذا المشهد المفعم بالمشاعر، تبرز رسالة صادقة إلى كل المتزوجين في عمر الشباب:
تمسّكوا ببعضكم كتمسّك الغريق بطوق النجاة، وكتمسّك المؤمن بنور الإيمان. تمسّكوا بمن يُخفف عنكم مشاق الحياة، ويدعم أجمل ما فيكم.
تجاوزوا الهفوات الصغيرة، وتغافلوا عن الزلات البسيطة، وتعلّموا أن التسامح ليس ضعفًا، بل هو سر بقاء العلاقات حيّة، قوية، ومتجددة.
فلنتمسّك بالنواجذ بذلك الإنسان الذي شارك الضحكات قبل الدموع، وساند في اللحظات الصعبة قبل السعيدة، وقَبِل العيوب قبل المزايا.
فالشريك الحقيقي ليس من يخلو من النقص، بل من يختار أن يبقى… رغم كل شيء.
فرفقًا… ولا نلوم من يبحث عن رفيقٍ للدرب، وأنيسٍ للعمر، وسندٍ في الكِبر، ودفءٍ في وحشة الليالي، ونورٍ في ظلمة المساءات.


