حقوق الطفل من منظور الشرع الإسلامي والمواثيق الدولية..

نشرت :

عبدالله رمضان بيت مجزح

خبير الرعاية الاجتماعية

يشير القرآن الكريم والسنة النبوية في أكثر من سورة وحديث إلى حقوق شاملة للطفل تضمن رعايته وتربيته وحمايته قبل أن تقرها المواثيق الدولية بزمن طويل. فالعناية والاهتمام بالطفل في شرعنا الإسلامي أكبر مما نتصور، وأبعد مما نتخيل، لنعلم عظمة ديننا الحنيف.

هنا نقطة جوهرية لا بد من توضيحها، وهي الفرق بين حقوق الطفل من منظور الفقه الإسلامي مقارنةً بالمواثيق الدولية؛ فالفرق يكمن في كيفية تطبيق العقوبة، فهي من ناحية الفقه الإسلامي أحكام ربانية تتضمن عقوبات وجزاءات في حالة انتهاكها، إلا أن الغالب منها لا يُطبق في الواقع المعاصر. فما هو الأفضل لحماية أطفالنا: هل هو تطبيق الأحكام الربانية أم الوضعية، أم تطبيق الاثنين في الوقت نفسه؟ وهل كانت في مرحلة الإسلام الأولى انتهاكات لحقوق الطفل بالمعنى المتعارف عليه اليوم؟

أما المواثيق الدولية، فهذه المواثيق هي قوانين وضعية من صنع البشر تتغير حسب الظروف؛ لذلك فإن ما يحدث للأطفال من انتهاك للحقوق في ظل واقعنا المعاصر يفرض ضرورة تغليظ هذه الجزاءات وتغيير هذه القوانين بما يتناسب مع ارتفاع معدلات الإساءة ضد الأطفال.

وهذه القوانين الوضعية تقوم على فرضية أن الكون خُلق بنظام، وبدونه تختل الموازين ولا يستقيم الوضع؛ فالنظام يهدف إلى تنظيم حياة البشر والحيلولة دون التعدي على حقوقهم، لذلك تُفرض العقوبات والجزاءات للردع وتصحيح المسارات وضبط الأمور حتى لا تخرج عن السيطرة.

ولكن لنكن صادقين وموضوعيين، فإن هذه المواثيق الدولية المتعلقة بالطفل أصبحت موضع شك؛ فالواقع يشهد إزهاق أرواح أطفال حول العالم دون ذنب، وفي الوقت نفسه دون ردة فعل تجاه ما يحدث لهم، فلا نرى إلا الصمت الدولي؛ لذلك أصبحت هذه المواثيق فاقدة للمصداقية.

فالطفل، كما يعلم الجميع، كالبذرة التي تحتاج إلى عناية فائقة لتثمر، وهو كذلك مشروع يتطلب حسن الإدارة لينجح بامتياز.

بلا شك أن حماية الطفل هي مسؤولية الجميع، من مؤسسات عامة وخاصة أو أهلية، ومن أفراد سواء مواطنين أو مقيمين على حد سواء؛ فهذه الشراكة من شأنها أن تخلق الظروف والمعطيات والبيئة المناسبة التي تدعم نموهم النفسي والاجتماعي، وبالتالي إعدادهم للمستقبل ليقوموا بدورهم في دفع عجلة التنمية والتطوير بالمجتمع.

وهذا الإعداد يعتمد تحقيقه على توفر مجموعة شروط لا غنى عنها لضمان النجاح الذي تحتاجه الدولة وتعول عليه في المستقبل، وهي التربية السليمة، والرعاية الصحية، والتعليم الجيد، والحماية من العنف والاستغلال والإساءة.

ورغم جهود الدولة الواضحة من خلال مؤسساتها ذات العلاقة، وبالشراكة مع المؤسسات الأخرى، إلا أن هناك تحديات تواجه الطفولة فرضها الواقع المعاصر من حولنا، ونحن طبعًا جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة العالمية، نؤثر ونتأثر بما يدور فيها من أحداث وتقلبات.

هنا تبرز أهمية الدور الإيجابي للأسرة في القيام بمسؤولياتها وأدوارها في ظل هذه التحديات المحيطة؛ فهي الركيزة الثابتة، وحجر الأساس، ونواة المجتمع. فالحديث الشريف عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته). كذلك ورد في النظام الأساسي للدولة أنها أساس المجتمع، وأن قوامها هو الدين والأخلاق والوطنية. فدورها الرقابي والتربوي في ضبط سلوك الأبناء يُعد غاية في الأهمية، من خلال الإرشاد والتوجيه والرقابة.

طبعًا الجميع متفقون على حقيقة أن الأسرة تواجه تحديات مختلفة، ولكن بالمقابل لا مفر من أنها مسؤولة مسؤولية مباشرة تجاه أفرادها، خاصة الأبناء، ودورها بالسعي الدؤوب للوصول بهم إلى بر الأمان وسط هذه التحديات.

الغالبية، إن لم يكن الجميع، قد اطلعوا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على المؤتمر السنوي للادعاء العام في يناير 2026م، والأرقام والإحصائيات المتعلقة بالأطفال وما يتعرضون له من إساءة وعنف واستغلال وتحرش وإهمال؛ فأكثر المتشائمين في المجتمع لم يكن يتوقع هذه الأرقام، لذلك المجتمع أمام معضلة تحتم ضرورة تكاتف الجميع وتعاونهم من أجل حماية أطفالنا من الصعوبات المحيطة بهم.

فهناك قانون الطفل الصادر في 2014م، وما يتضمنه من حقوق مختلفة للطفل، وعقوبات وجزاءات مدنية في حالة انتهاك هذه الحقوق. وهذا القانون هو المتحدث بلسان الطفل ضد ما يتعرض له من بيئته الداخلية أو الخارجية على حد سواء. وهناك لجان حماية الطفل التي تشكلت في 2015م بمختلف محافظات السلطنة، وتضم أعضاء من جهات حكومية مدنية وعسكرية وأهلية، وخطوط ساخنة (1100 + 1555) مرتبطة بهذه اللجان لتلقي البلاغات حول تعرض الأطفال للإساءة على مدار الساعة؛ لذلك على الجميع تحمل المسؤولية والقيام بأدوارهم والتعاون مع جهود الجهات.

في الأخير، نسأل الله أن يحمي أطفالنا، وأن يحرسهم بعينه التي لا تنام، من كل ما من شأنه إلحاق الضرر بهم… اللهم آمين.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img