بقلم: عادل بن رمضان مستهيل
adel.ramadan@outlook.com
تمر المنطقة الخليجية في الآونة الراهنة بمرحلة دقيقة من المخاضات الفكرية والاجتماعية، فرضتها طبيعة التحولات المتسارعة في أدوات التواصل الرقمي، والتي تحولت في كثير من الأحيان من منصات للحوار البنّاء إلى ساحات للاستقطاب الحاد والتراشق الذي يفتقر إلى الرزانة والمسؤولية.
إن ما نشهده اليوم من انقسامات فكرية عابرة للحدود الافتراضية بات يشكل تحديًا حقيقيًا يمس جوهر اللحمة المجتمعية، ويستدعي وقفة تأمل عميقة لاستعادة التوازن والهدوء في الخطاب العام.
إن المتابع للمشهد الإقليمي يدرك أن خطورة هذه السجالات لا تكمن في تباين وجهات النظر — وهو أمر طبيعي ومحمود — بل في انزلاقها نحو تأجيج المشاعر وإثارة الفتن التي قد تُستغل لتقويض الاستقرار الاجتماعي.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الجميع؛ فالتصريحات والمواقف، سواء صدرت عن صانعي القرار أو مؤثرين، يجب أن تُوزن بميزان الحكمة وتقدير المآلات، تجنبًا لتعميق الفجوات أو إعطاء ذريعة لمن يتربصون بأمن واستقرار هذه المنطقة.
وفي خضم هذا الصخب الإعلامي، تبرز التجربة العُمانية كنموذج فريد في إرساء دعائم “الحصانة الفكرية”. إن سلطنة عُمان، قيادةً وشعبًا، لطالما آمنت بأن الرصانة هي الرد الأمثل على المهاترات، وأن الحوار الراقي هو السبيل الوحيد لبناء جسور التفاهم.
هذا الإرث الحضاري العريق، المستمد من قيم التسامح والاعتدال، يمثل اليوم حائط صد منيعًا ضد محاولات الاختراق الفكري أو الانجرار وراء دعوات الفرقة والشتات.
إن الحكمة العُمانية ليست مجرد إرث تاريخي نعتز به، بل هي منهج عمل يومي يرتكز على وعي وطني جامع، يترفع عن صغائر الأمور ويسمو فوق الضجيج العابر. إن تماسك الجبهة الداخلية فكريًا وثقافيًا هو خط الدفاع الأول عن مكتسباتنا الوطنية،
وهو الضمانة ليبقى المجتمع العُماني والخليجي بمنأى عن تأثيرات “الأصوات النشاز” التي تسعى لاستغلال الفوضى الرقمية لتحقيق مآرب ضيقة.
ختامًا، إن الحفاظ على السكينة العامة والاستقرار الفكري ليس مسؤولية المؤسسات الرسمية فحسب، بل هو واجب وطني يقع على عاتق كل مواطن غيور.
إن التمسك بالقيم الأصيلة والتحلي بالهدوء في مواجهة التحديات هو ما سيجعل منطقتنا، بإذن الله، واحة للأمن والأمان، عصية على الفتن، ومستمرة في مسيرة البناء والنماء بعيدًا عن صراعات لا تخدم إلا من أراد بنا سوءًا. فالحكمة هي ضالة المؤمن، وهي في عُمان بوصلة لا تخطئ الاتجاه.



