الفتنة من أشد الأمور التي حذر منها القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى:
“والفتنة أشد من القتل”. فالقتل – مع كونه من الكبائر – أثره محدود في الأفراد، أما الفتنة التي هي أشد من القتل فهي فتنة الدين، التي تؤدي إلى فوضى كبيرة في مختلف مناحي الحياة؛ الفكرية والأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بل و الأعراف والقيم والأخلاق النبيلة، وهذا بدوره يؤدي الى انهيار مؤسسات اجتماعية ورسمية راسخة. وقد كشفت أحداث التاريخ أن الفتن حين يُسخر القانون لخدمة طرف على حساب آخر، تقود إلى تفكك الدول وانهيار مجتمعاتها، كما تشهد بذلك نماذج إقليمية ماثلة. فهل من معتبر؟.
هذا قبل…
أما بعد…
الفتن القانونية من أخطر أنواع الفتن؛ لأن القانون الذي يفترض أن يكون درعا لحماية الدول والمجتمعات من الغزو المادي والمعنوي والفكري، يتحول في إلى أداة لإثارة الفتنة. يشعلها متعصب يستغل مكانته الرسمية أو الدينية أو الاجتماعية، ممن بايع وأقسم على احترام القانون وتنفيذه، ثم يتجاهل البيعة الشرعية والقسم، حين تعمي بصيرته ما يترتب على اثارة الفتن من تداعيات خطيرة على النسيج الاجتماعي الوطني. وكان الأولى به أن يكون قدوة – كما يدعي – في الحكمة، لا وقودا للفتنة. وكل من شارك أو تغاضى عن تأجيج الفتنة القانونية، فإنه يتحمل المسؤولية أمام الله، ثم الوطن والمجتمع وولاة الأمر.
اخيرا…
فمن تلك الفتن أنه رغم صدور توجيهات رسمية واضحة بعدم الخروج عن الخطاب الوطني والشرعي، يظهر من يخالفها علنا عبر المنابر المختلفة، وكأنها لا تعنيه. فيطرح مسائل خلافية فرعية بأسلوب تهجمي، ويتجرأ على أقوال الكبار، مستحسنا بعقله وهواه دون دليل شرعي أو التزام قانوني.
وفي هذا المقام قال الإمام الشافعي رحمه الله: “من استحسن فقد شرع” أي أحدث أحكاما شرعية بناء على فهمه وهواه ويمكن هوى غيره. وهي صورة واقعية من صور الفتن الدينية والقانونية.
ختاما…
قد يظن الذي يستخدم أسلوب الفتنة القانونية، أنه سيكمم الأصوات التي تصدح بعقيدة عدم جواز الخروج على ولاة الأمر بالمعروف، وهذا لن يكون، ولو اجتمعت الإنس والجن على منعه، فإن الله تكفل بحفظ دينه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر”. فكيف بمتعالم أو متعصب يقدّم فئته على وطنه؟. ومع ذلك، فإن الفتنة القانونية تظل خطرا حقيقيا على هيبة القانون والنسيج الاجتماعي، إذا لم تواجه بحزم وشفافية، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة من التحديات الإقليمية والعالمية المتسارعة.
قال ﷺ: “ليس منا من دعا إلى عصبية”. دعوها فإنها منتنه.
مسلم بن أحمد العوائد


