ثمنة الجندل
تحت ظلال أشجار اللبان العطرة، وبين عبق التاريخ، وأصالة الإنسان، وجمال التقاليد، وذاكرة المكان، وعراقة الزمان، وهمس الحكايات، ونبض القيم، ودفء المجالس، وسكينة الروح؛ يتجلّى ما يُعرف بالسمت العُماني الأصيل، ذلك السمت الذي يُشكّل منظومة أخلاقية متكاملة، وقاعدة سلوكية راسخة، تُعبّر عن الالتزام بالقيم النبيلة والعادات العُمانية المتوارثة، المستمدة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ومن عمق الثقافة العربية الأصيلة.
ويُطلق على هذا السمت الرفيع في محافظة ظفار مصطلح “العُرْب”، وهو تعبير يُجسّد التمسك بهذا الإرث الأصيل، والاعتزاز بالقيم والمبادئ التي تناقلها الأجداد جيلًا بعد جيل. وتتجلى معاني “العُرْب” في صور متعددة؛ منها الاحترام المتبادل بين الصغير والكبير، والتواضع مهما علت المكانة، والكرم الذي لا يُقاس بالماديات، بل بحسن الاستقبال وصدق النوايا، فضلًا عن الالتزام باللباس المحتشم الذي يعكس الهوية والانتماء.
كما يتجلى هذا السمت في مفهوم “التتويل”، الذي يُعبّر عن أدبيات التعامل الراقي، والعادات الاجتماعية الرائعة، أو ما يمكن تسميته بـ”الإتيكيت الظفاري”، حيث تُقدَّم القيم قبل الكلمات، ويُقاس الإنسان بأخلاقه قبل أقواله.
ولعل ما يُميّز هذا السمت أنه ليس مظهرًا خارجيًا فحسب، بل هو انعكاس صادق لجوهر الإنسان وتربيته وسلوكه. وهو سلوك يُغرس في الأطفال منذ نعومة أظفارهم داخل الأسرة، التي تُعد الحاضنة الأولى للقيم.
فالأم تُعلّم ابنتها الحياء، وآداب الحديث الراقي، وحسن الإنصات، وتُنشّئها على الحضور الهادئ الرزين في مجالس النساء، كما تغرس فيها واجب الضيافة، من حسن الترحيب والاهتمام، وتقديم البخور واللبان والعطور، إلى جانب الاعتزاز بالملابس التقليدية الظفارية، مثل ثوب “أبو ذيل” في صورة تعكس جمال السمت العُماني وأصالته.
أما الأب، فيُرشد ابنه إلى احترام الآخرين، والالتزام بالزي العُماني “كالدشداشة والكمة”، وتحمل المسؤولية بشجاعة، والتواضع. وفي المجالس، يتعلّم الأبناء آداب الحديث، وحسن الاستماع، والتعاون، والتسامح، والرزانة في التصرف، إلى جانب أصول الضيافة وتقديم القهوة والحلوى وفق الأعراف المتوارثة.
إن غرس هذا السمت في نفوس الأطفال منذ الصغر لا يحميهم فحسب من المؤثرات السلبية، بل يُسهم في بناء شخصيات متوازنة، ويعزز ثقتهم بأنفسهم، ويعمّق وعيهم بهويتهم وانتمائهم. فالقيم التي تُزرع مبكرًا تتحول إلى بوصلة داخلية تُوجّه السلوك وتضبط الاختيارات.
غير أن التحديات في عصرنا الحاضر لم تعد خافية، بل أصبحت تفرض نفسها بقوة؛ فمع الانفتاح الإعلامي وتعدد المؤثرات الثقافية، بات الأطفال أكثر عرضة لاكتساب سلوكيات قد لا تنسجم مع هذا السمت الأصيل. ومن هنا تبرز أهمية دور الأسرة في ترسيخ الهوية، وتعزيز القدوة، ومتابعة الأبناء بالحوار والتوجيه الواعي، لا بالمنع وحده، بل بالفهم وتقديم البدائل المناسبة.
فحين يغيب التوجيه تضعف البوصلة، وحين تتراجع القدوة تتسلل السلوكيات الدخيلة. لذلك، فإن تنشئة الأبناء على الاحترام، والتواضع، والالتزام بالعادات والتقاليد النبيلة، تمثل خط الدفاع الأول في بناء شخصية قادرة على التمييز بين ما يليق وما لا يليق، وبين ما ينسجم مع هويتها وما يتعارض معها. فالقيم التي لا تُغرس في الصغر، يصعب ترسيخها في الكِبر.
وفي الختام، يبقى السمت العُماني في ظفار، المتمثل في “العُرْب” و”التتويل”، ليس مجرد ألفاظ تُقال، بل هو سلوك يُعاش، وقيم تُغرس في النفوس. فمن البيت تبدأ الحكاية، حيث تتشكل ملامح الأخلاق الأولى، ثم تتكامل الأدوار بين المدرسة والمسجد والمجتمع، ليظل الإنسان العُماني صورة صادقة لهويته، وأصالة قيمه، وكرم عطائه، راسخًا في مبادئه، ناقلًا هذا الإرث للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.

