خليجٌنا واحد … ستة عقود من التماسك في وجه التحديات

نشرت :

عادل بن رمضان مستهيل

adel.ramadan@outlook.com

على امتداد قرابة ستين عامًا، ظلّت دول الخليج العربية نموذجًا متفرّدًا في الحفاظ على وحدة الصف، رغم ما مرّت به المنطقة من أزمات سياسية وتحولات إقليمية عاصفة. وفي خضم هذه التحديات، يبرز التوجيه الرباني الحكيم: «ولا تنازعوا»، ليكون نبراسًا تستضيء به المسيرة الخليجية، ويؤكد أن التماسك ليس خيارًا ظرفيًا، بل نهجٌ راسخٌ يعزز الاستقرار ويصون المكتسبات.

لقد أدركت دول الخليج، منذ بدايات تشكّلها الحديث، أن النزاع لا يورث إلا الفرقة، وأن التكاتف هو السبيل الأمثل لمواجهة الأخطار المشتركة. ومن هنا، جاءت مسيرتها السياسية حافلة بمواقف جسّدت هذا الوعي، ورسّخت مفهوم المصير الواحد.

ففي أعقاب انسحاب القوى الاستعمارية من المنطقة في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، برزت الحاجة إلى كيان يجمع دول الخليج ويوحّد رؤاها. وتُوّج ذلك بتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ليكون مظلة للتنسيق والتكامل، ومنصة لتعزيز التضامن السياسي والاقتصادي والأمني.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية، وقفت دول الخليج صفًا واحدًا في مواجهة تداعيات النزاع الذي هدد أمن المنطقة واستقرارها. وبرغم حساسية المرحلة، حافظت على تنسيق مواقفها وسعت إلى تحييد آثار الحرب، إدراكًا منها بأن أي انقسام داخلي سيضاعف من المخاطر.

ثم جاءت حرب الخليج الثانية، لتشكّل اختبارًا حقيقيًا لوحدة الصف الخليجي. ففي مواجهة احتلال الكويت، تجلّت أسمى معاني التضامن، حيث توحدت الجهود السياسية والعسكرية والدبلوماسية لاستعادة الشرعية، في موقف رسّخ مبدأ أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ.

وفي العقد الثاني من الألفية، واجهت دول الخليج تحديات جديدة، من بينها الأزمة الخليجية، التي شكّلت لحظة اختبار صعبة للعلاقات البينية. غير أن الحكمة السياسية والإدراك العميق لأهمية الوحدة قادا إلى تجاوز الخلاف، لتأتي قمة العلا معلنة عودة اللحمة الخليجية، ومؤكدة أن ما يجمع هذه الدول أكبر من أي خلاف عابر.

كما برز التعاون الخليجي جليًا في مواجهة التحديات غير التقليدية، مثل جائحة كوفيد-19، حيث تنسّقت الجهود الصحية والاقتصادية، وتبادلت الدول الخبرات والدعم، في مشهد عكس عمق الروابط الإنسانية والمؤسسية.

إن هذه المواقف، وغيرها كثير، تؤكد أن دول الخليج لم تكن يومًا بمنأى عن الخلافات، لكنها امتلكت دائمًا القدرة على إدارتها بحكمة، وتغليب لغة الحوار على الانقسام. وهنا تتجلى أهمية الوعي المجتمعي، في رفض محاولات التأجيج التي تسعى بعض الجهات إلى بثها، مستغلة أي تباين في وجهات النظر.

فالمسؤولية اليوم لا تقتصر على صُنّاع القرار، بل تمتد إلى كل فرد في المجتمع؛ أن يكون واعيًا، مدركًا، حريصًا على وحدة الصف، رافضًا لكل خطاب يزرع الفرقة أو يغذي الكراهية. فالكلمة قد تبني جسورًا من الثقة، وقد تهدم ما بُني عبر عقود من الأخوّة.

إن «ولا تنازعوا» ليست مجرد توجيه، بل قاعدة حضارية وسياسية واجتماعية، أثبتت التجربة الخليجية صدقها وفاعليتها. ومع تسارع التحديات الإقليمية والدولية، يبقى التكاتف الخليجي صمام الأمان، والدرع الحصين في وجه كل من يسعى إلى زعزعة الاستقرار.

وفي ظل هذه المعطيات، يظل الشعار الأصدق الذي تختزله التجربة:
خليجنا واحد… وسيبقى كذلك ما دمنا نؤمن بأن وحدتنا قوتنا، وأن تماسكنا هو مستقبلنا.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img