قرن من الهزائم وصناعة الوهم

نشرت :

منذ اتفاقية سايكس–بيكو، مرورًا بوعد بلفور، وما سُمّي بالثورة العربية الكبرى التي استثمرتها القوى الاستعمارية في مواجهة الخلافة العثمانية، بدأت ملامح التفكك، وتكرّست مسارات التبعية، وصولًا إلى تمكين المشروع الصهيوني من التمدد في فلسطين.
ثم جاءت نكبة 1948، لتدخل الأمة في مسارٍ متواصل من الهزائم، تُغلّفه شعاراتٌ رنانة لا تنتج إلا مزيدًا من الانكسار. حتى وقعت هزيمة 1967، فكانت سقوطًا مدويًا مكّن الاحتلال الصهيوني من السيطرة على ما تبقى من فلسطين، إضافة إلى أجزاء من دول الطوق؛ مصر وسوريا والأردن.
أما حرب أكتوبر 1973، فقد قُزِّمت حقيقتها تحت خطاب “النصر”، رغم أنها لم تُفضِ إلى تحريرٍ كاملٍ للأراضي التي احتُلت عام 1967، لتبقى نتائجها دون مستوى الخطاب الذي رافقها.
ولم تتوقف الانكسارات عند حدود الصراع مع الاحتلال، بل امتدت إلى داخل الجسد العربي؛ فاندلعت الحرب العراقية–الإيرانية، ثم غزو الكويت وما تلاه من حربٍ دولية مهّدت الطريق لإضعاف العراق. ومع الغزو الأمريكي للعراق، استثمرت إيران المشهد لتعزيز نفوذها، وتكريس واقعٍ جديدٍ عمّق الانقسام وفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الدولية.
وتواصل النزيف مع غزو العراق، ثم تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا، ومع تعثر ثورات الربيع العربي التي بدأت بشعارات التحرر وانتهت في كثير من ساحاتها إلى الفوضى والانهيار.
وفي خضم هذا المسار، تعرّضت دولٌ محورية كالعراق وسوريا وليبيا لتدميرٍ واسع، نتيجة سياساتٍ استبدادية أضعفت مجتمعاتها من الداخل، فانهارت البُنى وتفككت الدول، وتراجعت القدرة العربية على الفعل والتأثير. وفي المقابل، تمدّد المشروع الصهيوني وفرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع تصاعد النفوذ الإيراني عبر سياسة تصدير الثورة.
وبلغ المشهد ذروته في حرب غزة عقب “طوفان الأقصى”، حيث دُمّرت غزة على نحوٍ شبه كامل، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، في مأساةٍ يُعاد تسويقها إعلاميًا بوصفها نصرًا
وفي النهاية، لم يبقَ في واجهة المشهد سوى صراعٍ مفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ صراع قوى يتنافس على النفوذ والسيطرة على مقدرات المنطقة.
أما الدول العربية، وخصوصًا الخليجية منها، فقد وجدت نفسها في موقع الخاسر الأكبر؛ تدفع ثمن صراعات لا تملك قرارها، وتتحمل كلفة معارك تُدار على أرضها أو في محيطها، بينما تتقاسم القوى الكبرى – بالتعاون مع قوى إقليمية – النفوذ، وتعيد رسم خرائط السيطرة بما يخدم مصالحها.
والمحصلة النهائية أن أجيال هذه الأمة لم ترث من كل تلك الشعارات إلا الخطب، ومن كل تلك المعارك إلا الهزائم؛ في واقعٍ تُسوّق فيه الهزيمة على أنها نصر، ويُعاد فيه إنتاج الوهم، فيما الحقيقة على الأرض تقول شيئًا آخر.

علي العايل

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img