ماجد المرهون
تعتبر تراجيديا شمشون من اكثر السرديات حضورًا في الوجدان الإنساني، فالشخص الذي يصرع الوحوش ويحطم الجدران قد تجاوز مرحلة البطل الخارق، ليُجسد الفلسفة السياسية في الصراع الأبدي بين القوة العمياء والارتهان العاطفي ومحاولة الموائمة بينهما، وبين الوقوع في فِخاخ المادة والسقوط في مصائد التغول والتكسب الدنيوي مع اغفال الضرر الذي يقع على الآخرين.
إن مفهوم “الدولة الضرورة” مع شمشون والنذر المقطوع الذي سيحققة المُخلِّص القادم لا يتحقق مع الرخاء في فلسفته السياسية، ولابد ان يولد من رحم المُعاناة الجماعية للشعوب وعليها ان ترزح تحت وطأة عبودية الحروب والدمار كدفعة مادية يجب تقديمها، مع الاستناد إلى قوى ماوراء الطبيعة باعتبارها جوهر الوجود الذي يتجاوز العالم المادي الملموس، وهو مالن يفهمه معظم الناس، ولذلك تُفسر في سياقات الأحداث بشكلٍ مستقل وتراكماتها والتصعيد الطردي لكُل حدث من خلال الفعل ورد الفعل تدرجًا الى مرحلة احتدام الصراع وتأجيجه إلى اقصى درجاته وصولًا إلى نقطة اللاعودة.
تظهر هنا اشكالية القوة التي لا يملُك صاحبها حق التصرف بها، مع انها موجودة فعلًا ولكن تُصور له القوى الخارجية المستفيدة رهباً ورغباً بأنها غير موجودة، فيدخل في التشكيك بقوته الحقيقية الكامنة والتصديق بضرورة استعارة قوة خارجية والارتهان لها، مع ان شمشون يحمل قوته كواجبٍ اخلاقي وامانة ثقيلة إلا انه في الوقت ذاته يحمل بذور فنائه في خصلات شعره، او في السيف المُتسلط فوق رأسه مُحذرًا اياه من خرق العرف الاجتماعي السائد بالاستناد الى احتمالات غيبية دون تخطيط والتي حتمًا ستؤدي إلى الانهيار.
تبدو القوة الناعمة عنوانًا جميلًا يُمكن اتخاذه في الأزمات، بيد انه لا يتأتى للجميع ويتطلب مرحلة طويلة تسبق افتعال كل ازمة، لذلك تستخدمه القوى المُتسلطة لترويض من يتمرد على سياساتها لتعجيزهم عن هزيمة شمشون ميدانيًا، في حين تقوم “دليلة” من وراء الحجب بدورها الغادر في الاختراق من الداخل مع عينها التي لا تنام وقدرتها التجسسية في تحويل نقاط القوة إلى مكامن ضعف، وتعكس بنعومتها صورة الصراع من الرغبة الذاتية إلى الواجب القومي، وهو التضليل الذي تستخدمة في وهم العامة، وشمشون الذي يمكنه هزيمة جيش كامل بفك حمار سيسقط صريعًا نتيجة ضعف سيطرته على اناته الداخلية، وعدم فهم ان القلاع لا تُهدم إلا عبر بواباتها المُشرعة، وحتمية الهزيمة مسألة وقت غير طويل وإن امتلك كل اسباب القوة المادية.
سيحاول الرمز تجنب السقوط بكل الوسائل، وإن اضطره واقع الاحداث إلى اجتراح الاكاذيب وهو يرى ويعلم ان البوادر تشير إلى أن اوان حلق رأسه قد حان ويخشى عقوبة قلع عينيه، لذلك لن يتردد في التحول إلى اداة انتاج شريرة بيد عدوه الذي سيقيده كالحيوان في الطاحونة، وهذا التقييد هو سقوط رمزية القائد ومن وراءه شعبهُ عندما فقدوا بصيرتهم بالسكوت عنه وعن مدى سوء ادارته وغباء تصرفاته، فتأذن عماء البصيرة للبداية الحقيقة للانهيار حين انطفأت عينا شمشون عن غواية دليلة، فهل ستتفتَّح بصيرته على جوهر رسالتهُ في ساعة العتمة ويدرك أن القوة ليست في الحروب والنار، ام سيتحول إلى انتحاري ويهدم المعبد على رؤوس الجميع؟!
بين اعمدة المعبد ومشاعر الوجودية والرغبة الجامحة في البقاء مع اليأس من اسمترار الواقع المرير، تحين لحظة فارقة ماورائية تعتقد ان النظام القائم كُله لم يعد صالحًا للعمل ولم يعد يطاق ولابد ان يتغير جذريًا وفي اسرع وقت دون الحاجة إلى تدرج قد يطول كثيرًا، وبات الانتقال إلى مسار الهدم الخلّاق لازمًا مع قسوته، وهو ليس انتحارًا بالمعني الحرفي في الفلسفة السياسية بقدر ما هو استشهادًا ضروري لاحداث التغيير اللازم، ولا شك في وقوع ضحايا بل ذلك محتوم اذا اريد لصرخة شمشون تحقيق فاعليتها من منطلق “علي وعلى اعدائي”.
إن هدم المعبد فوق الجميع هو اعلان نهاية حقبة الاستعراض الطويلة وبداية حقبة التضحية الكاملة، وان لحظة الضعف الاخيرة قد تكون قادرة على توليد امل زعزعة عروش الطغيان من رحم الأحزان، ولعل شمشون هنا يذكِّر غيره بأن القوة بلا حكمة هي انتحار مؤجل، وان الاغواءات السياسية اشد فتكًا من المعارك والحروب، وان الحرية احيانًا تتطلب دافعًا قويًا لهدم المعبد القديم وبناء آخر جديد ولكن بفكر ونظام مختلف، وان مكمن القوة هو في النذر الأخلاقي الذي يقطعه الإنسان على نفسه اولًا، ثم التمترس بالسلاح والعتاد كاستقلالٍ ذاتي دون اللجوء إلى استعارته من الآخرين.

