قراءة في ومضة قصصية بعنوان «احتقار»

نشرت :

قراءة في ومضة قصصية بعنوان «احتقار» للكاتبة العُمانية ميادة العمري بقلم الكاتب الاستاذ عاشور زكي وهبة من جمهورية مصر العربية

أولّا: نصّ الومضة
احتقارٌ
قدَّموا لها الإحترام؛ شعرتْ بالإهانة.

ثانيّا: القراءة
١. العنوان: احتقارٌ
مصدر من فعل خماسي متعدي «احتقرَ».
اللفظة لغويًّا لها الكثير من المرادفات: إذلال/إخضاع /ازدراء /إهانة /استخفاف /استصغار /استضعاف /امتهان… إلخ.
ولها الكثير من المضادات: إجلال /إكبار /إكرام /احترام /وقار /امتداح/استعظام… إلخ.
والاحتقار يتضمن فاعل وهو المُحتقِرُ، ومفعول به وهو المُحتقَرُ.
كما أن الاحتقار صفة ذميمة تتضمن البخس والتقليل من شخصية وقدر الشخص موضع الاحتقار، ويعبر عن التنمّر والاستكبار والعنصرية المقيتة، فلا يحقّ التقليل من شأن امرئ وفقًا لعرقه أو لونه أو لغته أو دينه أو حالته الماديّة، فكلنا لآدم، وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح.
فهيا نلج بحرص وحذر إلى متن الومضة حتى لا نقع في حبائل تلك الصفة الذميمة التي تلغي احترام الأخرين.

٢.صدر الومضة: قدّموا لها الإحترام
رغم أن عجز الومضة عادةً ما يُدهِشنا ويصدمنا بنتيجة مباغتة، إلّا أنني صُدِمت في الصدر!
نحن أمام شخصية /امرأة /مجموعة بشرية /مؤسسة عاملة… إلخ يُقَدّمُ المتعاملون معها لها فروض الاحترام والإجلال والتقدير مما يتعارض مع العنوان: احتقار.
ويُحتَرَمُ الأفرادُ أو المجتمعاتُ عادةً نتيجة لما يقدّمونه من خدمات قيمة وأعمال جليلة لمواطنيهم وأوطانهم؛ فلا يأتي الاحترام والتقدير من فراغ…
ويُعَدُ الحصول على الاحترام والتقدير من الحاجات العليا في مثلث الحاجات البشريّة، التي تبدأ بالحاجات الفسيولوجية كالمأكل والمشرب والتكاثر… إلخ.
فهيا نلج برفق إلى عجز الومضة…

٣. عجز الومضة: شعرتْ بالإهانة.
يصدمنا العجز مرّة أخرى بمفارقة عجيبة؛ إذ أن الشخصية التي احترمها الأخرون تشعر بالإهانة والمهانة والإزدراء!
هل لأنهم لم يقدروها حقّ قدرها؟!
أي لم يصل مقدار الإحترام إلى القدر المأمول!
أم أن تلك الشخصية تشعر في قرارة نفسها أنها لا تستحق هذا القدر من الاحترام؟!
أي أنها شخصية وضيعة لا تستحقّ هذا الإجلال والإكبار!
أم أنها شخصية متواضعة لا تحبّ الظهور والمظاهر؟!
أم أن الأشخاص الذين يقدمون لها التوقير ليسوا على نفس القدر من الاحترام؟!
يفتح لنا العجز الكثير من علامات الاستفهام والتعجب من ردّ الفعل الصادم الذي تشعر به تلك الشخصية «المُحترَمة»!
أجل! لقد أجلَّ الملأ والناس حكّامهم في كل زمان ومكان حتى صوّروهم كآلهة جليلة.. فماذا كان مصيرهم؟!
صاروا أئمة لهم في النار مثل فرعون وهامان وقارون، وسادة قريش الكفّار، والمنافقين في كلّ زمان ومكان!

٤. المفارقة والإدهاش:
الومضة من العنوان مرورًا بالصدر وانتهاءً بالعجز تحفل بالمفارقات الصادمة.
الشخصية المحورية المُحترَمة تشعر بالإهانة والمهانة رغم فروض الطاعة والاحترام والتوقير الصادرة من قومها أو عشيرتها أو المجتمع المحيط بها.
أليست تلك مفارقة مباغتة صادمة؟!
كما ذكرتُ آنفًا أنّ أقصى الحاجات البشرية: الحاجة إلى الاحترام المجتمعي النابع من إثبات الذات وتحقيق الغاية من الوجود الإنساني على الأرض: العمران الكوني.
فإذا لم يستشعر المرء تقدير واحترام الأخرين له، يشعر بالدونية والمهانة عكس تلك الشخصية التي قابلت احترام الأخرين لها بالشعور بالإهانة عوضا عن الفخر والمجد!

٥. التكثيف
في كلمات قليلة طرحت الوامضة قضية نفسية من الطراز الرفيع: قضية شخصية مُحترَمة تشعر بالصغار والمهانة!
مما يدفع القارئ إلى الحيرة من أمرها!
هل من قبيل التواضع وهضم الذات؟
أم لأنها تشعر بالدونية في قرارة نفسها؟
أم لأنها لا تحبّ الظهور والمظاهر الخادعة وتسليط الأضواء كما يحدث مع المشاهير؟!
كلما تعددت القراءات وأثارت الومضة علامات تعجب واستفهام كبيرة، كلما قويت وأحدثت أثرًا بليغًا في عقول القرّاء…
في الختام أحيي الأديبة البارعة على ومضتها القصصية البديعة متمنيًّا لها دوام التوفيق
والسداد.

عاشور زكي وهبة /مصر
الأحد 2026/3/22

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img