تُرسّخ سلطنة عُمان حضورها المتوازن في المشهد الدولي من خلال دبلوماسية رصينة استطاعت أن تتجاوز الأطر التقليدية لمدارس العلاقات الدولية، مقدّمة نموذجًا عمليًا قائمًا على الحوار، وبناء الثقة، وتغليب المصالح المشتركة. هذا النهج، الذي عُرف تاريخيًا بالاعتدال والحكمة، مكّن الدبلوماسية العُمانية من لعب أدوار محورية في إدارة الأزمات وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة.
وفي صدارة هذا الحراك الدبلوماسي، يبرز معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بوصفه أحد أبرز صناع القرار الذين استطاعوا توظيف الإرث السياسي العُماني برؤية معاصرة، قائمة على قراءة دقيقة لمجريات السياسة الدولية. فقد نجح، من خلال حضوره في المنابر الإعلامية الدولية، في إيصال رسالة واضحة مفادها أن الحوار يظل الخيار الأكثر واقعية وفاعلية في معالجة النزاعات، متفوقًا بذلك على العديد من الطروحات التقليدية التي سادت في بعض الدوائر السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط.
ويُعزى هذا التميز إلى ما يتمتع به الوزير من مصداقية عالية وأسلوب حواري متزن، عزّز من مكانته على المستوى الدولي، لا سيما خلال تناوله لملفات معقدة مثل محاولات التوصل إلى تفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، والتي واجهت تحديات كبيرة أسهمت في تعثرها، في ظل مواقف متباينة وتداخلات إقليمية، من بينها سياسات بنيامين نتنياهو، الأمر الذي انعكس على مسار الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات الأولية إلى أن تداعيات هذه التوترات لم تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادًا اقتصادية مؤثرة على النظام الدولي، ما يعيد التأكيد على أن معيار الحكمة السياسية لا يُقاس بحجم القوة أو التقدم التكنولوجي، بقدر ما يُقاس بقدرة القيادات على تبني مقاربات عقلانية تضع مصلحة الشعوب في مقدمة الأولويات.
وتستند الدبلوماسية العُمانية في مجمل توجهاتها إلى رؤية استراتيجية تنطلق من تعزيز العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار العالميين. وقد أثبتت هذه السياسة، القائمة على الحوار والانفتاح، فاعليتها في مختلف المحافل الدولية، حيث لاقت إشادة متزايدة من قبل المحللين السياسيين والمؤسسات الفكرية، التي باتت تنظر إلى التجربة العُمانية كنموذج قابل للاقتداء في إدارة الأزمات الدولية.
كما عكست تصريحات معالي السيد بدر البوسعيدي، في لقاءاته مع وسائل الإعلام العالمية، وضوحًا في الطرح وعمقًا في التحليل، خاصة فيما يتعلق بأسباب النزاعات الإقليمية، ومنها التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى تداعيات ذلك على الأمن الإقليمي والدولي.
إن التجربة الدبلوماسية العُمانية تؤكد أن السلام ليس مجرد خيار مرحلي، بل هو نهج استراتيجي متكامل، يقوم على الحكمة والتوازن، ويؤمن بأن الحوار هو السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات وبناء عالم أكثر استقرارًا وأمنًا.
د. حامد المرجان
باحث وأكاديمي


