كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي
٢٧ رمضان ١٤٤٧ه
نسيبة بنت كعب… أم عمارة التي وقفت بالسيف دفاعًا عن الرسول
في تاريخ الإسلام مواقف عظيمة تروي بطولات الرجال، لكن بعض المواقف كسرت هذه القاعدة وكتبت بطولات امرأةٍ وقفت في لحظة الخطر موقف الجبال. تلك المرأة هي نسيبة بنت كعب، المعروفة بكنيتها أم عمارة؛ واحدة من أعظم نساء الإسلام شجاعةً وثباتًا.
لم تكن أم عمارة امرأة عادية في مجتمعها، بل كانت صاحبة إيمان عميق وروحٍ قوية جعلتها تقف حيث تراجع كثيرون.
نسبها وإسلامها
هي نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف المازنية الأنصارية، من قبيلة الخزرج، ومن أهل المدينة المنورة الذين نصروا الإسلام في بداياته. كانت من السابقات إلى الإسلام في المدينة، ومن النساء اللاتي شاركن في بيعة العقبة الثانية، حين بايع الأنصار محمد بن عبد الله على النصرة والحماية. كانت تلك البيعة وعدًا كبيرًا… وقد أوفت به أم عمارة بصدق نادر.
يوم أحد… عندما تحولت إلى درع للنبي
بلغت بطولتها ذروتها في غزوة أحد. خرجت مع النساء لسقي الجرحى ومساعدة المقاتلين، لكن عندما اشتد القتال واشتد الخطر حول النبي ﷺ، تركت القربة وأخذت السيف. وقفت تقاتل أمام النبي ﷺ بشجاعة عظيمة، تضرب بسيفها وتدافع عنه بكل ما تملك. أصيبت يومها بجراح كثيرة، ومع ذلك لم تتراجع.
وقال النبي ﷺ عنها كلمة عظيمة بقيت خالدة في كتب السيرة: ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني. كانت تلك شهادة نبوية ببطولة امرأة وقفت في واحدة من أخطر لحظات الدعوة.
صبرها على استشهاد ابنها
كان لها ابنٌ من الصحابة هو حبيب بن زيد. أرسله النبي ﷺ رسولًا إلى مُسيلمة الكذاب. لكن مسيلمة عذّبه وقتله لأنه رفض إنكار إيمانه. وعندما وصل الخبر إلى أم عمارة، لم تنهَر ولم تضعف، بل قالت بثبات المؤمن: لهذا أعددناه، وعلى الله احتسبناه. كانت كلمات أمٍّ فقدت ابنها… لكنها قدّمته لله راضية.
مشاركتها في معركة اليمامة
لم تكتفِ بالصبر، بل خرجت بعد ذلك تقاتل في معركة اليمامة. كانت في تلك المعركة تطلب القصاص لابنها وتدافع عن الإسلام. قاتلت بشجاعة حتى قُطعت يدها في المعركة، لكنها بقيت صامدة حتى تحقق النصر على مسيلمة.
إن قصة نسيبة بنت كعب ليست مجرد قصة امرأة شجاعة، بل قصة إيمان حيّ يتحول إلى موقف. آمنت فثبتت، وبايعت فوفّت، وقاتلت فصبرت. ولهذا بقي اسم أم عمارة في التاريخ الإسلامي رمزًا نادرًا لامرأةٍ لم تكتفِ بالإيمان في قلبها، بل جعلت منه سيفًا يدافع عن الحق.


