الكاتب/ يحيى بن سهيل حاردان
ليستْ عُمان عبر التاريخ دولةً عابرة في جغرافيا المنطقة، بل كانت قوة حضارية وسياسية صنعت لنفسها حضوراً راسخاً في معادلات الشرق والغرب، فقد شكّلت الإمبراطورية العُمانية إحدى أبرز التجارب التاريخية في بناء دولةٍ امتد نفوذها من سواحل الخليج العربي إلى سواحل شرق أفريقيا، ومن أعماق الجزيرة العربية إلى المحيط الهندي، لتصبح نموذجاً فريداً في التاريخ السياسي للمنطقة.
واليوم، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ما يُسمّى بـ الشرق الأوسط الجديد، تعود التساؤلات حول الدور العُماني التاريخي وإمكانات استعادة تأثيره الإقليمي بصيغٍ حديثة تتناسب مع معطيات العصر، فالدلائل المتراكمة تشير إلى أن عُمان تمتلك مقوماتٍ استراتيجية وتاريخية تجعلها حاضرة بقوة في معادلات المستقبل كما كانت في صفحات الماضي.
لقد قامت الإمبراطورية العُمانية تاريخياً على أسسٍ حضارية متينة، فقد استطاعت أن تضم تحت مظلتها أقاليم متعددة، وأعراق وأديان مختلفة، ومذاهب متنوعة دون أن تتحول إلى قوة إقصاء أو صراع، بل اتسمت تجربتها بنهجٍ يقوم على التسامح والتعايش واحترام التنوع، وهو ما مكّنها من إدارة مناطق واسعة حيث غمرها عدل الإسلام وسادها الازدهار والاستقرار.
كما تميزت السياسة العُمانية بنهجٍ واضح وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والتمسك بالقيم الإسلامية السمحة، ونشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد أسهم هذا النهج في بناء علاقاتٍ متوازنة مع الشعوب التي امتد إليها النفوذ العُماني، خاصة في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، حيث ترك العُمانيون بصماتٍ حضارية وثقافية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
ولم يكن انتشار النفوذ العُماني قائماً على القوة العسكرية وحدها، بل على قوة التجارة والملاحة، فقد كان البحّارة العُمانيون رواداً في طرق التجارة البحرية، واستطاعوا بناء شبكة من الموانئ والعلاقات الاقتصادية التي جعلت من عُمان جسراً حضارياً يربط بين الشرق والغرب.
وفي مواجهة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة عبر القرون، أثبتت عُمان قدرتها على التكيّف مع الظروف القاسية والتعامل بمرونة مع المتغيرات الإقليمية، فهذه القدرة على التوازن بين الثبات والتجدد كانت دائماً أحد أسرار بقاء الدور العُماني واستمراره.
ولا يمكن إغفال الدور الحاسم الذي يلعبه الموقع الجغرافي لعُمان في تعزيز هذا الحضور، فهي تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتتحكم بمفاتيح طرق التجارة بين الخليج والمحيط الهندي، كما أن تضاريسها الصعبة وتنوعها الجغرافي من جبالٍ شاهقة وصحارى واسعة وسواحل طويلة، شكلت عبر التاريخ عامل حمايةٍ طبيعي ومنحتها ميزة استراتيجية قلّما تتوفر لغيرها.
وفي ظل التحولات الجارية في المنطقة اليوم، يبدو أن عُمان تمتلك فرصة متجددة لتأكيد حضورها الإقليمي، بإقامة الإمبراطورية العمانية، ليس بصيغة الإمبراطوريات التقليدية، بل بدورٍ حديث يقوم على الدبلوماسية المتوازنة، والقوة الاقتصادية، والموقع الجيوسياسي الفريد.
إن التاريخ العُماني لا يُقرأ باعتباره ماضياً منتهياً، بل باعتباره إرثاً استراتيجياً يمكن أن يشكل أساساً لدورٍ متجدد في الشرق الأوسط الجديد، وبين عمق التاريخ ومتطلبات الحاضر تبقى سلطنة عُمان دولةً قادرة على الجمع بين الحكمة السياسية والامتداد الحضاري، لتظل شامخةً كما كانت دائماً في قلب الشرق الأوسط القديم والجديد.


