البحث عن رؤية خليحية مشتركة، ضرورة لابد منها

نشرت :

يقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية، بعد أن كشفت الأزمات والحروب في الإقليم حجم التباين بين دوله في تحديد العدو المشترك وطبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. فسنوات طويلة من الاعتماد على تحالفات دفاعية خارجية أو ترتيبات أمنية مؤقتة أثبتت أن الأمن الخليجي لا يمكن أن يبقى رهينة مواقف الآخرين، ولا رهينة اختلاف التقديرات بين دوله.
ومع اقتراب المنطقة من مرحلة ما بعد الصراعات الحالية، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لدول الخليج أن تعيد بناء منظومة تعاونها على أسس أكثر وضوحًا وصلابة؟
إن البداية المنطقية لذلك تكمن في الاتفاق على حد أدنى من الرؤية المشتركة للأمن الإقليمي، وتعزيز التنسيق العسكري والسياسي، وصولًا إلى صيغة تعاون أعمق تحمي مصالح دول الخليج وتؤمن استقرارها في مواجهة التحديات.
غير أن الطريق إلى ذلك لن يكون خاليًا من العقبات. فحتى لو اتفقت دول المجلس على ضرورة توحيد مواقفها وتعزيز تعاونها الدفاعي، فإنها قد تواجه احتمالًا معقدًا يتمثل في أن تتمسك إحدى دولها بالحفاظ على خصوصية علاقتها مع دولة ما كإيران او غيرها من دول الاقليم، وقد تجعل من ذلك شرطًا أو اعتبارًا أساسياً في أي ترتيبات خليجية جديدة.
مثل هذا الاحتمال قد يعكس طبيعة التباين القائم في مقاربات دول الخليج تجاه إي دولة؛ فبينما ترى بعض الدول أن العلاقة المباشرة معها قد تكون وسيلة لخفض التوتر أو حماية مصالح اقتصادية وسياسية، ترى دول أخرى أن التجربة أثبتت أن السياسات مع هذه الدولة، تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الخليجي.
وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن بناء منظومة أمن خليجي متماسكة إذا بقيت الرؤية تجاه مصدر الخطر مختلفة إلى هذا الحد؟
فمن ناحية، لا يمكن لأي دولة أن تتنازل عن حقها السيادي في إدارة علاقاتها الخارجية وفق ما تراه مناسبًا لمصالحها الوطنية. لكن من ناحية أخرى، فإن الأمن الجماعي لا يمكن أن يقوم إذا تحولت العلاقات الثنائية مع أطراف إقليمية إلى ثغرة تضعف الموقف الخليجي المشترك.
لذلك فإن أي مشروع حقيقي لإعادة تفعيل التعاون داخل مجلس التعاون يجب أن يقوم على مبدأ واضح: فقد تبقى لكل دولة خصوصية في علاقاتها الخارجية، لكن هذه الخصوصية لا ينبغي أن تتعارض مع الأمن الجماعي لدول الخليج أو أن تتحول إلى عامل يربك موقفها المشترك.
إن مستقبل المنطقة لن تحدده فقط نتائج الحروب أو التحالفات العابرة، بل قدرة دول الخليج على تحويل دروس الأزمات إلى مشروع تعاون حقيقي يقوم على وضوح الرؤية ووحدة المصير. فإما أن تتجاوز دول المجلس تبايناتها وتبني منظومة أمن جماعي متماسكة، وإما أن تبقى هذه التباينات نفسها العائق الأكبر أمام أي مشروع خليجي جامع.

علي العايل

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img