خاص صحيفة اليوم العُمانية – تحليل
قراءة و متابعة – عادل بن رمضان مستهيل
في خضم التوترات السياسية والعسكرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يتجه الاهتمام غالباً إلى التحركات العسكرية والتصريحات السياسية المتبادلة بين القوى الإقليمية والدولية. غير أن قراءة أعمق للمشهد تكشف عن بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التنافس على مسارات الطاقة وخطوط نقل الغاز، التي أصبحت في العقود الأخيرة عاملاً مؤثراً في رسم التوازنات الجيوسياسية.
ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، واستمرار الحضور العسكري والسياسي لـ الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، يرى خبراء الطاقة أن جانباً من المشهد يرتبط أيضاً بالمنافسة على مشاريع كبرى لنقل الغاز يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تزويد أوروبا بالطاقة خلال السنوات المقبلة.
تحولات سوق الطاقة في أوروبا
شهدت القارة الأوروبية خلال الأعوام الأخيرة تغيرات ملحوظة في سياسات الطاقة، خصوصاً بعد تعطل خطوط نقل الغاز الروسية التي كانت تمثل أحد أهم مصادر الإمدادات للقارة. ومن أبرز هذه الخطوط:
- Nord Stream 1 gas pipeline (خط أنابيب نورد ستريم 1 للغاز)
- Nord Stream 2 gas pipeline (خط أنابيب نورد ستريم 2 للغاز)

ويمتد هذان الخطان عبر Baltic Sea (بحر البلطيق) ليربطا روسيا بألمانيا. وقد تعرضا في عام 2022 لانفجارات تحت سطح البحر أدت إلى تعطلهما، وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى تسريع جهودها لتنويع مصادر الطاقة والبحث عن بدائل جديدة.
وقد فتح هذا التطور المجال أمام مناطق أخرى، من بينها الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط، لتكون جزءاً من معادلة إمدادات الطاقة إلى أوروبا في المستقبل.

شرق المتوسط ومشاريع الغاز الجديدة
شهدت السنوات الأخيرة اكتشافات مهمة للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، ما دفع عدداً من الدول إلى تطوير مواردها وتعزيز قدراتها الإنتاجية. ومن بين أبرز هذه الحقول:
- Leviathan gas field (حقل ليفياثان للغاز)
- Karish gas field (حقل كاريش للغاز)
وتسعى إسرائيل إلى تطوير هذه الحقول وتعزيز قدرتها على تصدير الغاز إلى الأسواق الإقليمية وربما الأوروبية في المستقبل، سواء عبر خطوط أنابيب إقليمية أو عبر منشآت تسييل الغاز.
ويرى عدد من خبراء الطاقة أن هذه الاكتشافات قد تساهم في تنويع مصادر الغاز بالنسبة لأوروبا إذا تم تطوير البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز بكميات تجارية.
صراع الأنابيب: سوريا “عقدة المنشار” في خارطة الطاقة العالمية

تُسلط الخارطة الجيوسياسية الحالية الضوء على طبيعة الصراع الدولي في المنطقة، والذي يتجاوز كونه نزاعاً محلياً ليصل إلى “حرب أنابيب” استراتيجية تهدف للسيطرة على إمدادات الغاز المتجهة إلى القارة الأوروبية.
وتكشف التحليلات عن وجود مشروعين متضادين يضعان الأراضي السورية في قلب المعادلة:
- المشروع الأول (الخط الإسلامي): وهو خط أنابيب إيراني-عراقي-سوري، مدعوم بقوة من روسيا. يهدف لنقل الغاز من حقل “بارس الجنوبي” عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، مما يعزز النفوذ الطاقوي لموسكو وطهران.
- المشروع الثاني (خط قطر-تركيا): وهو مشروع مدعوم من الولايات المتحدة وتركيا، يسعى لنقل الغاز القطري عبر الأراضي السعودية والأردنية وصولاً إلى سوريا ثم تركيا، بهدف كسر احتكار الغاز الروسي وتأمين بديل استراتيجي لأوروبا.
تداعيات الصراع
يرى مراقبون أن رفض دمشق للمشروع المدعوم أمريكياً لصالح المشروع المدعوم روسياً كان أحد المحركات الأساسية للتصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته المنطقة. وبموجب هذه الخريطة، تظل سوريا “نقطة الارتكاز” التي تحدد هوية الطرف المهيمن على سوق الطاقة العالمي في العقود القادمة.
التوترات الإقليمية ومسارات الطاقة
يرتبط مستقبل مشاريع الطاقة الكبرى بدرجة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. فمشاريع خطوط الأنابيب والاستثمارات الضخمة في قطاع الغاز تتطلب بيئة مستقرة لضمان استمراريتها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يربط بعض المحللين بين التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة وبين التنافس الأوسع على النفوذ الاقتصادي ومسارات الطاقة، مع التأكيد على أن هذه العوامل تشكل جزءاً من شبكة معقدة من المصالح الدولية.
مضيق هرمز وأمن إمدادات النفط
إلى جانب مسارات الغاز، يظل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط القادمة من دول الخليج العربي إلى الأسواق العالمية.
وأي توتر أمني في هذا الممر الحيوي ينعكس عادة على أسواق الطاقة العالمية، إذ قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات.
وقد شهدت الأسواق العالمية في فترات التوتر الإقليمي ارتفاعات ملحوظة في أسعار النفط، وهو ما يعكس حساسية السوق العالمية لأي تطورات في منطقة الخليج.
تأثير أسعار النفط على اقتصاد الخليج
بالنسبة لدول الخليج العربي، تمثل أسعار النفط عاملاً مهماً في أداء الاقتصاد الوطني، نظراً لاعتماد الميزانيات العامة بدرجات متفاوتة على عائدات الطاقة.
فارتفاع أسعار النفط قد يساهم في تعزيز الإيرادات الحكومية، ما يتيح فرصاً أكبر لتمويل المشاريع التنموية والاستثمار في البنية الأساسية وتنويع الاقتصاد. وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض الأسعار إلى تحديات مالية تتطلب سياسات اقتصادية أكثر حذراً.
انعكاسات على الاقتصاد العُماني
في سلطنة عُمان، يشكل قطاع الطاقة أحد الموارد الاقتصادية المهمة، إلى جانب الجهود المتواصلة لتنويع مصادر الدخل ضمن خطط التنمية الوطنية.
ويمكن لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية أن يسهم في تعزيز الإيرادات العامة للدولة، ما يدعم تنفيذ مشاريع التنمية والبنية الأساسية، وكذلك البرامج الاقتصادية المرتبطة برؤية عُمان 2040 الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة المالية.
وفي الوقت نفسه، تواصل السلطنة تطوير قطاعات أخرى مثل الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، في إطار استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
نحو خريطة طاقة عالمية جديدة
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن سوق الطاقة العالمي يتجه نحو مزيد من التنوع في مصادر الإمدادات، سواء عبر الغاز الطبيعي أو مصادر الطاقة الأخرى.
وفي هذا السياق، تبدو خطوط الأنابيب وممرات الطاقة البحرية جزءاً أساسياً من معادلة اقتصادية وجيوسياسية معقدة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع التوازنات السياسية والأمنية.
ومع استمرار التحولات في أسواق الطاقة العالمية، قد تشهد السنوات القادمة إعادة رسم لخريطة تدفق الغاز والنفط، في ظل سعي الدول المنتجة والمستهلكة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار وأمن الإمدادات.
المصادر
- الوكالة الدولية للطاقة (International Energy Agency)
- معهد أكسفورد لدراسات الطاقة (Oxford Institute for Energy Studies)
- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies)
- وكالة رويترز للأنباء (Reuters)
- شبكة دويتشه فيله الإعلامية (Deutsche Welle)


