كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي
٢٣ رمضان ١٤٤٧
خديجة بنت خويلد… أم المؤمنين وداعمة الرسالة الأولى
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية الأسدية. تنتمي إلى بطن بنو أسد بن عبد العزى من قبيلة قريش. نشأت في مكة المكرمة في بيت شرف وثراء، فجمعت بين النسب الكريم والسمعة الطيبة والعقل الراجح.
مكانتها في المجتمع المكي
في بدايات الدعوات الكبرى، قد يظهر القائد في الواجهة، لكن خلفه غالبًا قلبٌ عظيم يثبّته ويمنحه الطمأنينة. وفي بداية الإسلام، كان ذلك القلب هو خديجة بنت خويلد.
كانت امرأة ذات مكانة في قريش، عُرفت بالحكمة والطهارة حتى لقّبها الناس في الجاهلية بـالطاهرة. وكانت تاجرة ناجحة تدير تجارتها بذكاء وثقة، في مجتمعٍ لم يكن يمنح النساء مساحة كبيرة للقيادة.
زواجٌ صنع تاريخًا
عندما سمعت بأمانة الشاب محمد بن عبد الله وصدقه في التجارة، عرضت عليه أن يعمل في تجارتها. خرج بمالها إلى الشام، فعاد بربح كبير، لكن ما أعجبها أكثر من الربح كان أخلاقه. فأرسلت إليه تعرض الزواج، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة، وكانت هي أكبر منه سنًا. كان زواجًا قائمًا على الاحترام والثقة… وسيصبح لاحقًا أحد أهم البيوت في تاريخ الإنسانية.
اللحظة الفاصلة
عندما نزل الوحي على النبي ﷺ لأول مرة في غار غار حراء، عاد إلى البيت مضطربًا يقول:
زملوني زملوني. كانت خديجة أول من استقبله في تلك اللحظة. لم تشك، ولم تتردد.
قالت كلمات خلدها التاريخ: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق.
كانت أول من آمن به، وأول من صدّقه، وأول من ثبّت قلبه.
دعم لا يتوقف
لم يكن دعمها بالكلمات فقط، بل بالمال والنفس والموقف. أنفقت من مالها في سبيل الدعوة، ووقفت إلى جانبه في أصعب السنوات، خاصة في فترة الحصار في شعب أبي طالب، حيث تحملت الجوع والضيق مع المسلمين. كانت شريكة الرسالة… لا مجرد زوجة.
مكانتها في قلب النبي ﷺ
ظل النبي ﷺ يذكرها بالخير حتى بعد وفاتها بسنوات طويلة. وكان يقول: آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس.
وكان إذا ذُكرت خديجة في مجلسه تغيّر صوته احترامًا ووفاءً.
إن خديجة بنت خويلد هي الركيزة الأولى للدعوة. آمنت حين تردد الناس، وثبّتت حين اضطربت القلوب، وأعطت حين خاف الآخرون. ولهذا بقي اسمها في التاريخ… كأول قلبٍ احتضن الرسالة.


