​التضليل المعلوماتي وواقع التوترات الإقليمية: قراءة في “خرائط النزاع” بين التوثيق والتزييف

نشرت :

قراءة و متابعة – عادل بن رمضان مستهيل

​في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، تبرز “حرب المعلومات” كجبهة موازية لا تقل خطورة عن العمليات العسكرية الميدانية. ومؤخراً، تداول ناشطون ومحللون صورة منسوبة لمركز “أكلد” (ACLED) المتخصص في تحليل النزاعات، تزعم رصد مئات الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية في فترة زمنية قصيرة (من 28 فبراير إلى 10 مارس).

​إلا أن الفحص المهني والتدقيق في قواعد البيانات الدولية يكشف عن فجوة عميقة بين ما يتم ترويجه في الفضاء الرقمي وبين الواقع الميداني والبيانات الموثقة.

​أولاً: التحقق من صحة الخبر (Fact-Checking)

​بعد مراجعة أرشيف مركز “أكلد” (ACLED) والتقارير الميدانية الصادرة عن الوكالات الدولية خلال الفترة المذكورة، نخلص إلى النتائج التالية:

  1. تزييف المحتوى: الخريطة المرفقة هي في الأصل خريطة توثق “الاحتجاجات الشعبية” التي شهدتها إيران في فترات سابقة (مثل احتجاجات عام 2022)، وقد تم تعديل العناوين والمصطلحات (العتبة والنص) لتبدو وكأنها “ضربات عسكرية”.
  2. غياب التأكيد الرسمي: لم يصدر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أو القيادة المركزية (CENTCOM)، ولا عن الجانب الإيراني، أي تقارير تفيد بوقوع “مئات الضربات” في هذه المدن (طهران، أصفهان، شيراز، بندر عباس) خلال تلك الفترة المحددة. وقوع مثل هذه الهجمات بهذا الحجم يعني اندلاع حرب شاملة، وهو ما لا تدعمه الوقائع الميدانية.
  3. تضارب الإحصائيات: الأرقام المذكورة في النص (95% وصول للهجمات و5% اعتراض) هي أرقام تقديرية غير مستندة إلى بيانات رادارية أو تقارير تقنية من جهات محايدة، بل تعكس توجهاً أيديولوجياً لمحاولة قياس كفاءة الأنظمة الدفاعية بعيداً عن التقارير العسكرية الفعلية.

​ثانياً: التحليل الإستراتيجي المهني

​من الناحية الإستراتيجية، تعتمد كفاءة الدفاعات الجوية على عوامل متعددة (التغطية الرادارية، نوع الصواريخ، التشويش الإلكتروني).

  • في الحالة الإيرانية: تمتلك إيران منظومات مثل “باور 373” و”إس-300″، وقد أثبتت في بعض المواقف قدرة على الاعتراض، لكنها واجهت تحديات في مواجهة تكنولوجيا التخفي (Stealth).
  • في دول الخليج العربية: تعتمد الأنظمة الدفاعية (مثل باتريوت وثاد) على تكامل استخباراتي وتقني عالي جداً، وقد حققت نسب اعتراض مرتفعة جداً (تتجاوز 90%) ضد الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية، وهو ما وثقته تقارير الأمم المتحدة والشركاء الدوليين.

​إن نشر مثل هذه “الخرائط المفبركة” يهدف إلى ممارسة ضغط نفسي وإظهار هشاشة العمق الإستراتيجي للطرف الآخر، وهو ما يتطلب من المتلقي والصحفي تحري الدقة والرجوع للمصادر الأصلية.

المصادر والمراجع الرسمية الموثوقة

​لضمان الدقة المهنية، يجب الاعتماد على المراجع التالية التي تراقب التسلح والنزاعات في المنطقة:

  1. مركز “أكلد” (ACLED – Armed Conflict Location & Event Data Project): المصدر الأساسي (الذي تم استغلال اسمه) للتحقق من قواعد البيانات الفعلية للنزاعات.
  2. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI): للحصول على تقارير دقيقة حول القدرات العسكرية والصفقات الدفاعية في الشرق الأوسط.
  3. الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA): لمتابعة أي استهدافات مزعومة لمنشآت حساسة في إيران، حيث تصدر بيانات فورية في حال وقوع حوادث.
  4. تقارير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UN Security Council Reports): وتحديداً تقارير الخبراء المعنيين بمراقبة التسلح والانتهاكات الإقليمية.
  5. المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS): الذي يقدم تقرير “التوازن العسكري” (The Military Balance) السنوي، وهو المرجع الأدق لتقييم كفاءة الدفاعات الجوية والقدرات الهجومية.

​خلاصة القول: إن الاحترافية الصحفية تقتضي عدم الانسياق خلف الخرائط الجاهزة على منصات التواصل الاجتماعي، والتمييز بين “البروباغندا” وبين الواقع العسكري الذي تحكمه الأقمار الصناعية والبيانات الرادارية الموثقة.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img