خميس العبري
في عالم السياسة لا تحكم العلاقات الشعارات ولا الخطابات الودية، بل تحكمها المصالح ومعادلات القوة. ولهذا ظل المبدأ القديم الذي يقول «صديق عدوك عدوك» قاعدة حاضرة في قراءة التحالفات الدولية، خصوصاً في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج العربي.
فمنذ عقود طويلة، تحولت منطقة الخليج إلى واحدة من أكثر مناطق العالم استضافة للقواعد العسكرية الأجنبية، وعلى رأسها القواعد التابعة لـ الولايات المتحدة الأمريكية. وقد بررت هذه القواعد وجودها دائماً بأنها جاءت لحماية أمن المنطقة واستقرارها، غير أن التساؤلات تتزايد اليوم حول حقيقة الدور الذي تؤديه هذه القواعد، ومن المستفيد الحقيقي من بقائها.
فعلى مدى العقود الماضية، دفعت دول الخليج مليارات الدولارات في صفقات تسليح واتفاقيات أمنية مع واشنطن. لكن قراءة متأنية لمسار الأحداث في الشرق الأوسط تكشف أن جزءاً كبيراً من هذا النظام الأمني الإقليمي كان موجهاً في النهاية لحماية المصالح الاستراتيجية لـ إسرائيل، أكثر مما كان يهدف إلى بناء منظومة أمن جماعي مستقلة لدول المنطقة.
لقد رُوِّج طويلاً لفكرة أن إيران تمثل التهديد الأكبر لدول الخليج، وأن مواجهة هذا التهديد تبرر الوجود العسكري الغربي المكثف في المنطقة. غير أن الوقائع التاريخية تقدم صورة أكثر تعقيداً؛ فطوال عقود، ورغم التوترات السياسية، لم تشهد المنطقة حرباً مباشرة بين إيران ودول الخليج. في المقابل، شهد الشرق الأوسط سلسلة من الحروب والأزمات التي ارتبطت بتدخلات خارجية وصراعات جيوسياسية أوسع.
وفي كل مرة كانت ترتفع فيها حدة التوتر في المنطقة، كانت صفقات السلاح تتضاعف، والقواعد العسكرية تتمدد، والخطاب الإعلامي يشتد في رسم صورة تهديد دائم يبرر استمرار هذه المنظومة الأمنية الخارجية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يهدد أمن الخليج؟ بل أيضاً: من يستفيد من استمرار شعور الخطر في المنطقة؟
إن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم تفرض على دول الخليج إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي. فالأمن الحقيقي لا يصنعه الاعتماد المطلق على القوى الخارجية، بل تصنعه سياسات التوازن والحوار وبناء الثقة بين دول المنطقة نفسها.
كما أن موجة التطبيع المتسارعة مع إسرائيل تطرح تساؤلات استراتيجية عميقة: هل سيؤدي هذا المسار إلى تحقيق الاستقرار فعلاً، أم أنه قد يعيد رسم خرائط الصراع في المنطقة بطريقة تجعل الخليج جزءاً من معادلات أمن لا تخدم مصالحه المباشرة؟
إن التاريخ السياسي مليء بالأمثلة التي تثبت أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها أولاً وأخيراً. وحين تتغير هذه المصالح، تتغير معها التحالفات والالتزامات.
ولهذا فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي السياسي الخليجي هي أن أمن المنطقة يجب أن يُبنى بأيدي أبنائها أولاً، وأن التحالفات الخارجية مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظومة إقليمية متماسكة قائمة على الحوار والتفاهم وتوازن المصالح.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تعترف بالصداقة الدائمة، بل بالمصالح الدائمة. ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار في الخليج:
هل آن الأوان لإعادة قراءة معادلات الأمن في المنطقة بعيداً عن أوهام الحماية الخارجية؟
** خميس العبري اعلامي ومحامي امام المحكمة العليا بمكتب الدكتور خليفة الهنائي


