✒️ عبدالله بن أحمد عبدالله بوذار
١. فلسفةُ العطاءِ والأثرِ الحضاري (السكينة والرسالة العمانية)
”في موازين القوى التقليدية، تُقاس ثروات البلاد بمواردها المادية، لكن في لحظات الحقيقة تبرز القوة الحقيقية في «رأس المال البشري الذي لا يُقدر بثمن»؛ ذاك الإنسان الذي يمتلك ميزة نفسية فريدة تحول المستحيل إلى ممكن. إن هذه المبادرة تمثل طاقةً هائلةً في حدها الأقصى، وقوةً نفسيةً جبارةً تتجاوز الحسابات المادية الضيقة، وهي المحرك الحقيقي الذي يتدفق في عروق هذا الوطن. إن هذا النهج ليس وليد اليوم، بل هو استجابةٌ ربانية وانعكاسٌ لجوهر الدين الحنيف في قوله ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». ومن هذه القاعدة، انطلقت الهوية العمانية لتصنع أثراً حضارياً عظيماً؛ فالتاريخ يشهد أن الإسلام بلغ أقاصي الأرض بصدق تعامل العمانيين المبادرين الذين حملوا أخلاقهم قبل بضائعهم.”
٢. سيكولوجيةُ القوةِ الصامتة (تعدد مواسم البذل واستجابة الروح)
”تبرز هذه الأصالة كضرورة استراتيجية عند ظهور التحديات الوطنية؛ حيث يتحرك «الإنسان الأصيل» كصمام أمان يضمن ديمومة المنجزات. ولقد تجلت هذه السيكولوجية في أبهى صورها خلال الأنواء المناخية؛ حيث شهدنا المبادرة الذاتية في «قوافل الفزعة» التي انطلقت بلهفةٍ عارمة، قاطعةً المسافات بقاطراتها من الجنوب الأبي إلى الشمال المكلوم؛ لم تكن تلك القوافل تحملُ مؤناً فحسب، بل كانت تحملُ رسالةَ تلاحمٍ وأمان، برهنت أنَّ المسافاتِ تذوبُ حينما ينبضُ قلبُ الوطنِ في جسدٍ واحد. ولا يقتصر هذا العطاء على لحظات الطوارئ، بل يتعداه ليكون ثقافةً تتنفسُ في مواسم الخير الراتبة؛ ففي رحاب شهر رمضان المبارك، تتحول العبادات إلى «حراكٍ ميداني» واسع، حيث تتسابق النفوس لتجسيد قيم التكافل في مشروعاتٍ تلامس حاجات الناس اليومية. إن هذا التسلسل من «فزعة الشدائد» إلى «بذل المواسم» يبرهن للعالم أن معدن العماني لا يصدأ، وأن يده بالخير تظلُ مبسوطةً في كل حين.”
٣. غرسُ الثوابتِ في النشء (التطوع منهجاً لبناء الإنسان)
”إن الاستثمار الحقيقي يبدأ من غرس قيم المبادرة في نفوس النشء، لينشأ جيلٌ على مآثر البذل وسجايا الكرم؛ فنحن نؤمن يقيناً بما ذهب إليه أبو العلاء المعري في قوله:
وَيَنشأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا … عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
فصلاحُ النشءِ وميلهم للخير ليس صدفةً، بل هو نتاجُ القدوةِ وما استقاهُ الابنُ من سمتِ أبيه في العطاء. ومن هذا المنطلق، نؤمن بضرورة تأطير ميزة التطوع كقيمة مضافة في شخصية الطالب، تُرفع بها مكانته المعنوية ويعظم بها أثره؛ وذلك عبر «منهجية تعليمية» رصينة تجعل من التطوع ثقافة متجذرة في الميدان التربوي، مما يضمن تجديد أثر الأخلاق العمانية وصناعة إنسان يرى في خدمة الآخرين رقياً لذاته ورصيداً باقياً لآخرته.”
٤. الوقفُ المستدامُ وحرمةُ المالِ في منظومةِ التشريع
”إنَّ الوقفَ المستدامَ والزكاةَ المفروضةَ والصدقةَ الجاريةَ، ليست أفعالاً إنشائيةً، بل هي «أركانُ منظومةٍ تشريعيةٍ متكاملةٍ» صاغَها الباري عزَّ وجلَّ لتنظيمِ تدفقِ المالِ وصونِ كرامةِ الإنسانِ. إنَّ مالَ الوقفِ أمانةٌ «في يدِ الولايةِ التشريعيةِ» لتسخيرِهِ وفقَ مصارفِهِ الشرعيةِ التي لا تقبلُ التأويل؛ ليكونَ حقاً معلوماً لكرامةِ «المستحقِّ» من مالِ أخيهِ الغني. وما هذهِ المآثرُ الفذةُ إلا تجسيدٌ لحرمةِ هذا المالِ وقدسيةِ أهدافِهِ، «فغدت» قِبلةً للأمانِ الاجتماعيِّ، ومنهاجاً في تدويرِ الثروةِ وحفظِ حقوقِ المسلمينَ من الضياع.”
٥. قاماتٌ حفرت أسماءها بالبذل: نماذجُ عُمانيةٌ ملهمة
”من قاماتِ النهجِ الخيريِّ التي تقفُ أمامها الذاكرةُ العُمانيةُ إجلالاً، يبرزُ الروادُ الذين طوعوا الصعبَ وجعلوا من المستحيلِ واقعاً ملموساً:
١. الشيخان سهيل وسعود بهوان (رحمهما الله): اللذان أرسيا دعائم إحسانٍ «غدت» مدرسةً في البذلِ والتكافل، حتى تفرد سموهما في العطاءِ العمانيِّ المتدفق، ونموذجاً فريداً في تنظيم العملِ الخيريِّ وشموليته.
٢. الشيخ سعيد “البحر” الرواس (رحمه الله): في بصمتهِ التاريخيةِ الفذةِ بـ «تعبيدِ ورصفِ طريق وادي غَيْر»؛ ذلك الشريانُ الذي «سَعى بعزمهِ» ليربطَ الناسَ ويُيسرَ سُبلَ حياتهم في زمنِ الصعاب، تاركاً إرثاً يلهجُ به الثناءُ جِيلاً بعد جيل.
٣. شركة الشنفري وشركاه: في دورِها الرياديِّ الاستثنائي لـ «تذليلِ القممِ وتمهيدِ المسالكِ الوعرة»، وتسخيرِ طاقتها التقنيةِ لخدمةِ المجتمعِ وفكِّ عُزلةِ المناطقِ النائية، إيماناً بمسؤوليتِها الوطنيةِ تجاهَ الأرضِ والإنسان.
٤. الشيخ عثمان بن سعيد رعفيت: في عملهِ الجسورِ الذي روَّضَ القممَ وكسرَ صمتَ الصخرِ؛ في إنجازٍ هندسيٍّ عصيٍّ ربطَ بين ولايتي «رخيوط وضلكوت» بطريقٍ ساحليٍّ ومُنجزٍ سياديٍّ جبارٍ، قهرَ استحالةَ التضاريسِ بعزيمةٍ صلبةٍ؛ ليكونَ شريانَ حياةٍ وشاهداً حياً على أنَّ إرادةَ المواطنِ هي التي تصنعُ المعجزاتِ وتطوعُ المستحيل.
٥. السيد أحمد بن علوي الذيب (حفظه الله): الذي وهبَ عنايتهُ لغرسِ الظلالِ على ضفافِ «ساقية جرزيز» وتعاهدها بالحياةِ والنماء؛ حتى استوت «واحةً وارفةً» يستفيءُ بها العابرونَ، ويستلهمونَ منها جمالَ الطبيعةِ وصدقَ المبادرة.
٦. عزمُ الرجال (الفرقُ الأهليةُ لشقِّ الجبالِ والمسالك): أولئك الذين «اجترحوا المحالَ بأيديهم» بما أعجزَ الحديدَ والمعدات؛ حيثُ قهروا «عنادَ الصخرِ» لتمهيدِ المسالكِ وتيسيرِ العبورِ نحو عيونِ المياه، في تجلياتِ إرادةٍ غلبت صلابةَ الأرضِ وفطرةٍ عمانيةٍ تأبى الانعزال.
٧. حماةُ الأفلاجِ وسقاةُ الأرض: أولئك المجهولونَ في الأرض، المعروفونَ في السماء، الذين يقومونَ بدورٍ عظيمٍ في شقِّ القنواتِ وتنظيفِ الأفلاج؛ لضمانِ تدفقِ الحياةِ وصونِ إرثِ الأجدادِ المائي، وهم ركيزةُ الاستدامةِ الزراعيةِ والاجتماعية.
٨. شبابُ «فرق الفزعة»: الذين سخروا أنفسهم ومركباتهم لإغاثةِ الملهوفِ وإنقاذِ العالقين، يسبقون نداءَ الواجبِ بعفويةٍ وثّابة وفداءٍ ميداني، ليؤكدوا أنَّ النخوةَ سجيةٌ عمانيةٌ أصيلةٌ لا تُغيرُها الأزمان.
٩. المبادراتُ السنويةُ لـ «فكِّ كُربة»: وهي الملحمةُ الإنسانيةُ التي تُشرقُ شمسُها في كلِّ عام؛ لتفكَّ قيودَ الإعسارِ عن أعدادٍ كبيرةٍ من المتعثرينَ مالياً، وتُعيدَ رسمَ البسمةِ على وجوهِ ذويهم بجمعِهم بأسرِهم في لحظاتِ تجلٍّ إنسانيٍّ فريد. إنَّ هذه المبادرةَ قد تحولت إلى ميثاقِ خيرٍ سنويٍّ يتسابقُ فيه المجتمعُ أفراداً ومؤسساتٍ؛ لتجسيدِ روحِ الجسدِ الواحدِ الذي إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمى.”
٦. الحراكُ المجتمعيُّ والتنظيمُ الحكوميُّ كركيزةٍ للاستدامة
”إنَّ النضوجَ في العملِ الخيريِّ العمانيِّ تجسدَ في أبهى صورهِ عبرَ قيامِ المؤسساتِ المستدامةِ والكياناتِ الوقفيّةِ المنظمة، ومنها «مؤسسةُ الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني» و«مؤسسةُ فلسطين الوقفية»؛ تلكَ النماذجُ التي أرسَت قواعدَ المؤسسيةِ الراسخةِ في العطاء.
وإنَّ ملامحَ هذا الحراكِ المباشرِ تتجلى في منظومةٍ متكاملةٍ تشملُ:
الكياناتِ الوقفيةَ والزكوية: (من مؤسساتٍ وقفيةٍ خاصةٍ ولجانِ الزكاةِ بالولايات) التي تُديرُ الأصولَ وأموالَ الفريضةِ بقدسيةٍ تشريعيةٍ تحت إشرافِ وزارةِ الأوقاف والشؤون الدينية.
الجمعياتِ والفرقَ الخيريةَ والتطوعية: التي تعملُ كأذرعٍ ميدانيةٍ فاعلةٍ تحت مظلةِ وزارةِ التنميةِ الاجتماعية.
مساهماتِ الشركاتِ والمسؤوليةِ الاجتماعية: المخصصةِ للمساهمةِ المجتمعيةِ وأثرها في المجتمع وتنظيمها من خلالِ تلك المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ استدامة النماء تتطلبُ انتقالاً نحو المأسسة والكيانات المنظمة، وترسيخ مبدأ «الثقة المتبادلة»، ومنح السواعد «المرونة» الميدانية، بالتوازي مع «آليات رقابة» حصيفة، بما يفتحُ آفاقاً لتعزيزِ الاستدامةِ المالية؛ حيثُ تسهمُ تلكَ الكياناتُ في تخفيفِ الأعباءِ عن كاهلِ الميزانيةِ العامةِ للدولة، وتعملُ كرافدٍ يدعمُ «التوجهاتِ الوطنيةَ لِتحقيقِ التوازنِ المالي». فعندما ينهضُ المجتمعُ بمسؤولياتِه التنمويةِ بكفاءةِ ذاتيةٍ عالية، فإنه يُعززُ صلابةَ الاقتصادِ والاستدامة، ويقومُ بدورٍ مِحوريٍّ في «رفدِ الدولةِ» و«جبرِ الخللِ» و«تَعزيزِ الأمانِ المجتمعيِّ»، وسدِّ الفجواتِ التي قد تنتجُ عن التحدياتِ الماليةِ الطارئة.
وهنا يبرزُ التكاملُ الاستراتيجيُّ المؤسسيُّ الفريدُ بين «وزارةِ الأوقافِ والشؤونِ الدينيةِ» و«وزارةِ التنميةِ الاجتماعية»؛ عبر منحِ هذهِ الكياناتِ الصلاحياتِ الواسعةَ لِلعملِ والإنجازِ — باعتبارها أداةً لرفعِ كفاءةِ التنفيذِ لا تجاوزاً لِلأطرِ التنظيمية. إنَّ شعورنا الصادقَ وأملنا الكبيرَ في منهجيةِ الوزاراتِ المعنيةِ وسعيِها لِتطويرِ التشريعاتِ بما يتواكبُ مع «رؤيةِ عُمان ٢٠٤٠»، هو ما مَنحَ المبادراتِ المجتمعيةَ صِبغةً رصينةً وحمايةً قانونية، وجعلَ منها نموذجاً يُحتذى به لخدمةِ عُمان وإنسانها.”
٧. الخاتمة: الاستشرافُ الوطنيُّ ومنتهى نفعِ الأثر
”في الختام، يتطلبُ استشرافُ المستقبلِ تعظيمَ مكانةِ هذه الكياناتِ الوقفيةِ كواجبٍ وطني، مستلهمينَ من تلك الرؤيةِ الحكيمةِ لمولانا حضرةِ صاحبِ الجلالةِ السلطانِ المعظم -حفظه الله ورعاه-. إنَّ العملَ الميداني ينطلقُ من الثقةِ المبنيةِ على «التغذيةِ الراجعة» التي تُحددُ بدقةٍ حاجاتِ القطاعِ وتفرضُ التعاملَ بحسبِ معطياتِ ذلك الميدان؛ تلكَ الثقةُ التي تمنحُ الصلاحياتِ الواسعةَ للعملِ والإنجازِ — باعتبارها أداةً لرفعِ كفاءةِ التنفيذِ لا تجاوزاً للأطرِ التنظيميةِ — وبما ينسجمُ مع رؤيةِ «عُمان ٢٠٤٠»؛ حتى يبلغَ الأثرُ غايةَ النفعِ في أقصى منتهاه. فكلُّ التحيَّةِ والإجلالِ لِتلكَ السواعدِ الفتِيَّةِ التي بَذلَت عَرَقَها جُهداً، ولأصحابِ الأموالِ والهممِ الذين نذروا رصيدَهم مَدداً، ولِأهلِ العِلمِ الذين أسرجوا مَعارفَهم نُوراً؛ لِيَلتقي «بذلُ الجهدِ» بـ «سخاءِ المالِ» و «نورِ العِلمِ» في مَلحمةٍ وطنيةٍ تَرفدُ المجتمعَ وتَصونُ حِياضَ الوطن. إنَّ هؤلاءِ هم الذين نُقِشَت أسماؤُهم في «لوحةِ الشرفِ» التاريخيةِ لِلمبادرين؛ تلكَ «القائمةُ الذهبيَّةُ» التي لم تُغلَق ولن تُغلَق في وجهِ أبناءِ الوطنِ الشرفاء؛ فهي ميثاقٌ متجددٌ يَستقبلُ كلَّ مَن سَعى لِيُقلِّدَ اسمَه فيها بِمَدادٍ من نفعٍ وأثر. لتبقى عُمانُ دائماً واحةً لِلخيرِ وللسلام، مستمسكةً بذاك الإرثِ العظيمِ وعطاءِ الأبناءِ الأوفياءِ الذين يَصنعونَ المجدَ بصمتٍ ويورثونَ الظلَّ والرفعةَ لِلأجيال.”

