على خطى الصحابة العظماء

نشرت :


كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي
١٨ رمضان ١٤٤٧

حذيفة بن اليمان… صاحب سرّ الرسول ﷺ

هو الصحابي الجليل: حذيفة بن حُسَيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة العبسي. ينتمي إلى قبيلة بنو عبس، وهي قبيلة عربية معروفة من قبائل غطفان في الجزيرة العربية. أما والده فكان يُلقّب بـ اليمان، ولذلك اشتهر ابنه باسم حذيفة بن اليمان.

وقصة لقب اليمان: أن والده حسيل بن جابر قتل رجلًا من قومه خطأً، فاضطر إلى مغادرة قومه من بني عبس، فانتقل إلى المدينة المنورة، وحالف الأنصار هناك. ولأنه صار حليفًا لأهل اليمن من الأنصار، لُقّب بـ اليمان، فغلب اللقب عليه، وأصبح ابنه يُعرف بـحذيفة بن اليمان بدل حذيفة بن حسيل.

وحذيفة بين صحابة النبي ﷺ اللذين عُرفوا بالشجاعة، وآخرون بالعلم، وبعضهم بالزهد… لكن حذيفة بن اليمان عُرف بميزة فريدة: حامل سرّ النبي ﷺ. كان النبي ﷺ يأتمنه على أمور لا يطلع عليها غيره، حتى صار اسمه مرتبطًا بأسرار الفتن وأحوال المنافقين.

سؤال مختلف عن الجميع
كان الصحابة يسألون النبي ﷺ عن الخير،
أما حذيفة فكان يسأله عن الشر. قال كلمته المشهورة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. لم يكن فضولًا، بل بصيرةً تريد أن تعرف الطريق… والحفر التي فيه.

قصة ليلة الخندق
في ليلةٍ شديدة البرد خلال غزوة الخندق، كانت الرياح تعصف بالمعسكر، والظلام يلفّ المكان، والجيش محاصر من كل جانب.؛قال النبي ﷺ: من يأتينا بخبر القوم؟ ساد الصمت… فالمهمة خطيرة. ثم التفت النبي ﷺ إلى حذيفة وقال: قم يا حذيفة. تسلل حذيفة إلى معسكر قريش بين آلاف الجنود، يسمع كلامهم ويراقب حركتهم، حتى سمع أبو سفيان بن حرب يأمر الناس بالرحيل بعد أن مزّقت الرياح خيامهم.؛عاد حذيفة بالخبر دون أن يشعر به أحد. كانت مهمة استخباراتية دقيقة… نفذها بهدوء وشجاعة.

صاحب سرّ المنافقين
أخبر النبي ﷺ حذيفة بأسماء بعض المنافقين في المدينة، ولم يخبر بها أحدًا غيره. حتى إن الخليفة عمر بن الخطاب كان يسأله أحيانًا: أنشدك بالله، هل سمّاني رسول الله ﷺ في المنافقين؟ لم يكن عمر يشك في نفسه، بل كان يخاف أن يكون قد قصر دون أن يشعر. أما حذيفة… فحفظ السر حتى مات.

بصيرته في الفتن
كان حذيفة من أكثر الصحابة حديثًا عن الفتن القادمة، لأنه سمع من النبي ﷺ تفاصيلها. وكان يقول للناس: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، وقلب أغلف، وقلب منكوس، وقلب مصفّح. كان يرى أن الفتن تبدأ من القلوب قبل أن تظهر في الواقع.

نهاية الحكيم الصامت
عاش حذيفة بعد النبي ﷺ سنوات، يعلّم الناس ويذكّرهم بالثبات. وحين حضرته الوفاة قال كلمات تفيض تواضعًا وخوفًا: مرحبًا بالموت… حبيب جاء على فاقة. كأنه كان ينتظر لقاء الله بعد رحلة طويلة من الحذر والبصيرة.

بإختصار لم يكن حذيفة أشهر الصحابة في المعارك، ولا أكثرهم روايةً للحديث، لكن مكانته كانت في الثقة. ثقة النبي ﷺ في قلبه،
وفي حفظه للسر، وفي بصيرته حين تختلط الطرق. ولهذا بقي اسمه في التاريخ: الرجل الذي حمل سرّ النبي ﷺ… ولم يبح به.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img