على خطى الصحابة العظماء

نشرت :

كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي

١٧ رمضان ١٤٤٧

سعد بن معاذ… الرجل الذي اهتزّ لموته عرش الرحمن

هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي، سيد من سادات الأوس في المدينة. كان شابًا ذا مكانة ونفوذ بين قومه، تُسمع كلمته ويُطاع رأيه، ولذلك كان لإسلامه أثرٌ لا يشبه إسلام غيره.

يوم دخل الإسلام إلى قلبه
وصل مصعب بن عمير إلى المدينة قبل الهجرة ليعلّم الناس الإسلام، فكان سعد في البداية غاضبًا من انتشار الدعوة بين قومه. ذهب إلى مصعب ليوقفه عن الدعوة، لكن الحوار كان قصيرًا… وعميقًا. قرأ مصعب عليه شيئًا من القرآن، فما هي إلا لحظات حتى تغيّر وجه سعد، وقال كلمته المشهورة: ما أحسن هذا الكلام وأجمله. ثم اغتسل وشهد الشهادتين.

عاد إلى قومه من بني عبد الأشهل وقال لهم:
كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى ذلك اليوم… وفي حيّه رجل ولا امرأة إلا وقد دخل الإسلام.

موقفه يوم بدر
شارك سعد في غزوة بدر، وكان من الذين وقفوا يطمئنون النبي ﷺ قبل المعركة. قال للنبي ﷺ كلمات بقيت في التاريخ: لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. لم يكن وعدًا عاطفيًا، بل عهد وفاء.

جرح الخندق
في غزوة الخندق أصابه سهم في ذراعه، فدعا الله دعاءً عجيبًا: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا فاجعلها شهادة. كان يتمنى أن يعيش ليقاتل،:أو يموت في سبيل ذلك.

حكمه في بني قريظة
بعد انتهاء الخندق، جعل النبي ﷺ الحكم في قضية بنو قريظة إلى سعد بن معاذ، لأنه كان حليفهم قبل الإسلام. جاء جريحًا، محمولًا، لكنه حكم بالعدل وفق ما يعرفه من شريعتهم فقال النبي ﷺ: لقد حكمت فيهم بحكم الله. كانت لحظة يظهر فيها أن العدل لا يعرف صداقةً ولا خصومة.

لحظة الرحيل
لم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى انفجر جرحه. فلما مات سعد قال النبي ﷺ كلمات هزّت القلوب: اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. لم يكن ملكًا، ولا نبيًا، بل رجل صدق الله في حياته القصيرة.

ويمكن القول بأن سعد بن معاذ عاش في الإسلام سنوات قليلة، لكن أثره كان عظيمًا. أسلم فأسلمت قبيلته، ووقف في بدر موقف الرجال، وحكم بالعدل وهو جريح، ثم رحل… فاهتزّ له عرش الرحمن. كأن حياته تقول لنا:
ليس المهم كم تعيش، بل كيف تعيش.

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img