كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي
١٤ رمضان ١٤٤٧
عبد الله بن عباس… حبر الأمة وترجمان القرآن
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عمّ النبي ﷺ. وُلد قبل الهجرة بثلاث سنوات تقريبًا، ونشأ في بيتٍ قريب من بيت النبوّة، يسمع الدعاء قبل أن يسمع الجدال، ويرى الوحي قبل أن يرى الدنيا.
وضع النبي ﷺ يده على صدره يومًا وقال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل. كانت دعوة… فكانت حياة.
شغف العلم منذ الصغر
كان غلامًا صغيرًا حين توفي النبي ﷺ، لكن قلبه كان كبيرًا بالعلم. لم يقل: فاتني كثير، بل قال: أدرك ما بقي. كان يذهب إلى كبار الصحابة، فيقف على أبوابهم في شدة الحر، ينتظر خروجهم ليسألهم عن حديثٍ أو تفسير آية. قيل له: ألا ترسل إليهم؟ قال: أنا أحق أن آتيهم. تواضع المتعلّم… صنع عالِمًا.
ترجمان القرآن
كان إذا سُئل عن آية، لم يكتفِ بظاهرها، بل يذكر سبب نزولها، وسياقها، ومعناها اللغوي، ومقصدها التشريعي. جمع بين: فقه اللغة، معرفة أسباب النزول، فقه الواقع، وعمق الاستنباط، حتى صار مجلسه مدرسة قائمة، يجلس فيها المئات، يتعلّمون التفسير والفقه والشعر واللغة.
وكان يقول: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهله، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. دقة علمية… ووعي بالحدود.
دوره السياسي والعلمي
في زمن الفتن، لم يكن ابن عباس رجل سيف، بل رجل حجة. أرسله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمجادلة الخوارج، فدخل عليهم وحده، وحاورهم بالقرآن والعقل، فرجع عدد كبير منهم عن فكرهم. كان يؤمن أن الفكرة تُهزم بفكرة، والحجة تُدفع بحجة.
تواضع رغم المكانة
رغم علمه، كان يقول: إذا سمعتُ الرجل يحدث بالحديث فأستحسنه، وددتُ أن الناس كلهم سمعوه. لم يكن يحتكر المعرفة، بل يفرح بانتشارها. وكان إذا أثنى عليه الناس يقول: إنما هو فهمٌ يُعطيه الله من يشاء.
أثره الباقي
من أكثر الصحابة رواية للحديث، مؤسس مدرسة التفسير في مكة، مرجع في الفقه واللغة، مستشار للخلفاء في النوازل. توفي في الطائف، لكن أثره باقٍ في كل تفسير يُكتب، وفي كل طالب علمٍ يتتبع معنى آية.
عبد الله بن عباس لم يكن مجرد حافظٍ للنص، بل مفكّرًا داخل النص، ينظر إلى الآية كأنها بحر، لا سطح. هو مثال للشاب الذي دعا له النبي ﷺ… فصارت الدعوة مشروع أمة.


