صلالة: ثَمَنة الجندل
كنت أعتقد أن الزكاة خسارة، لكنني اكتشفت أنها طوق نجاة.
جلستُ ذات مساء أحصي أموالي بهدوء لإخراج الزكاة. وما إن انتهيت من الحساب حتى تفاجأت بالرقم، فنظرت إلى مبلغ الزكاة مرة أخرى…
همستُ لنفسي:
«يا إلهي… مبلغ كبير! أيجب أن أُخرج كل هذا المال؟ ألا يوجد تدبير آخر؟»
بدأ الشيطان يوسوس في نفسي:
سيؤثر ذلك على مصاريفك؟
ستحتاجين هذا المال لاحقًا؟
هل يمكنك تأجيل جزء منه؟
ترددتُ كثيرًا، وراودتني أفكار تُزيّن لي التخفيف. كنت أظن أن الزكاة اقتطاع من راحتي، ومن مالي، ومن رصيدي…
لكنني قررت أن أهدأ قليلًا. أغلقتُ الدفتر، وفتحتُ دفترًا آخر… دفتر الأسماء.
أسماء أعرفها جيدًا.
أرامل يواجهن الحياة بصمت.
أسر يُثقِلها المرض.
طلاب يحلمون بإكمال تعليمهم.
أرواح أهلكتها الغربة، وما أدراك ما الغربة!
كل اسم لم يكن مجرد حروف… بل قصة.
وكل قصة كانت تقول لي بهدوء: هذا حقنا الذي جعله الله لنا في مالك.
في تلك اللحظة، تبدّل شيء في داخلي.
شيء يشعرني بأن المسألة ليست أرقامًا، بل أمانة.
وليست خسارة، بل مكسب.
هدأت نفسي، وكأن صخرة كبيرة انزاحت عن صدري.
بدأت أتواصل معهم.
مكالمات قصيرة جدًا، لكنها كانت صادقة.
وحين التقيت بهم، ورأيت أيديهم تمسك بذلك المبلغ البسيط الذي كنت أراه كبيرًا… شعرت بصِغَر فكرتي السابقة.
المبلغ الذي كنت أعتقد أنه كبير، ويثقل قلبي أن أفرّط فيه قبل لحظات، أصبح في أيدي المحتاجين بابًا يُفتح.
ذلك المبلغ البسيط صار عندهم فرجًا قريبًا.
لم تكن فرحتي في العطاء نفسه، بل في النظرة التي رأيتها في عيونهم.
امتنان صادق، ودعاء من القلب بلا تكلّف.
دعواتهم لم تصل إلى أذنيّ فقط… بل سكنت في قلبي وطمأنته.
في تلك الليلة عدتُ إلى أوراقي مرة أخرى، لكنني هذه المرة لم أعد أرى الأرقام كما كانت.
هذه المرة رأيت فيها البركة والنجاة.
رأيت فيها مسؤولية جميلة.
رأيت فيها فرصة لأكون سببًا في ابتسامة.
فهمت أخيرًا أن الزكاة لا تُنقص المال… بل تُنقص القلق.
لا تأخذ من الرصيد… بل تضيف إلى الروح.
رفعتُ يدي بالدعاء:
«يا رب ارزقني رزقًا واسعًا طيبًا، واجعل لي نصيبًا دائمًا في إسعاد الفقير والمسكين، وعلّمني أن أرى في العطاء نعمة، وليس التزامًا وواجبًا».
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنتظر موعد الزكاة بقلق…
بل بطمأنينة.


