كتبه: عيسى بن سالم بن علي البلوشي
١٣ رمضان ١٤٤٧
أبو الدرداء… الحكيم الزاهد
هو عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي، تأخر إسلامه قليلًا، لكنه لما أسلم، أسلم قلبًا وعقلاً وروحًا. لم يعد يرى الربح في الدراهم، بل في السجود. ولم يعد يخاف كساد التجارة، بل يخاف كساد القلب.
قصة إسلامه
تأخر إسلام أبي الدرداء في البداية، وكان له صنم في بيته يعبده. فلما أسلمت زوجته أم الدرداء، جاءه خبرٌ أن بعض الصحابة كسروا صنمه. دخل البيت فرأى الصنم مُلقىً على الأرض، لا يدفع عن نفسه، ولا ينصر ذاته.
وقف لحظة صمت… لحظة انكسار داخلي.
ثم قال كلمته العميقة: لو كان فيه خيرٌ لدفع عن نفسه. كانت تلك اللحظة بداية التحوّل. ذهب إلى النبي ﷺ معلنًا إسلامه، ولم يكن إسلام عقلٍ فقط، بل إسلام قلبٍ ذاق الحقيقة بعد طول غفلة.
من السوق إلى المحراب
كان في الجاهلية تاجرًا حازمًا، يعرف حساب السوق، ويزن الربح والخسارة بميزان دقيق. فلما دخل الإسلام… تغيّر الميزان. كان يقول: كنتُ تاجرًا قبل أن أُسلم، فلما أسلمتُ أردتُ أن أجمع بين التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فاخترتُ العبادة. لم يكن يحرّم الكسب، لكنه أدرك أن قلبه لا يحتمل التعلّقين معًا. فاختار الطريق الذي يقوده إلى الله. كان طويل التأمل، كثير الصمت، وإذا تكلم خرجت كلماته حكمةً خالصة، حتى لُقّب بحكيم الأمة.
قصة الأخوّة الصادقة
آخى النبي ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي. زار سلمان أبا الدرداء يومًا، فوجد أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. كان أبو الدرداء يصوم النهار ويقوم الليل، ويكاد يُهمل حق أهله وجسده. فلما جاء، قال له سلمان:
إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه. فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ قال: صدق سلمان. كانت تلك اللحظة درسًا في التوازن. فالزهد ليس هروبًا من الحياة، بل ترتيبًا للحقوق.
عالم الشام ومربّيها
انتقل إلى الشام في خلافة عمر بن الخطاب، وصار من أعلامها. جلس يُعلّم الناس القرآن والفقه، فكان أهل دمشق يلتفون حوله، يتلقّون العلم والحكمة. كان يقول: اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن تُؤجروا حتى تعملوا. لم يكن العلم عنده معلومات، بل سلوكًا يَظهر في الحياة.
خوفه من الحساب
كان إذا ذُكر الموت بكى، وإذا ذُكر الحساب ارتعد. ويقول: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يُقال لي: قد علمتَ، فماذا عملتَ فيما علمت؟ كان يخاف من علمٍ بلا أثر، ومن حكمةٍ بلا تطبيق.
حكمته الخالدة
من كلماته التي بقيت تتردد عبر القرون:
- من أكثر ذكر الموت قلّ فرحه.
- لا تكون تقيًا حتى تكون عالمًا، ولا تكون عالمًا حتى تكون بما علمتَ عاملاً.
- الناس ثلاثة: عالم، ومتعلّم، وهمجٌ لا خير فيهم.
كانت حكمته نابعة من تجربة، لا من تنظير.
أبو الدرداء لم يكن زاهدًا متشددًا، ولا حكيمًا متعاليًا، بل إنسانًا عرف قيمة التوازن، وخاف من الله بصدق، وجعل من العلم عبادة، ومن الحياة مزرعة للآخرة.وترك السوق… فربح الآخرة.


