شرق أوسط جديد يتشكل بالقوة ودول بين السيادة والوصاية

نشرت :


بقلم/ يحيى بن سهيل حاردان

لم يُعد الحديث عن إسقاط النظام في إيران مجرد تحليل سياسي عابر، بل أصبح سيناريو يُتداول بجدية في أروقة القرار الدولي، تمهيداً لمرحلة يُراد لها أن تُوَلِّد شرق أوسط جديداً، تُعاد فيه صياغة الخرائط والأنظمة وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق إرادة شعوب المنطقة.

إن إسقاط نظام بحجم وتعقيد إيران لن يكون “عملية جراحية نظيفة”، بل انفجاراً جيوسياسياً هائلاً، تتطاير شظاياه إلى كل عاصمة في الخليج والشرق الأوسط، فالدولة التي شَكّلت لعقود قُطباً إقليمياً، سواء اتُّفق معها أو اُختُلف، إذا انهارت دفعة واحدة، فإن الفراغ الذي ستُخلّفه لن تملأه قوى مستقرة، بل ميليشيات، صراعات داخلية، وتدخلات خارجية مفتوحة على كل الاحتمالات.

وفي قلب هذا المشهد، تقف دول الخليج في موقع بالغ الخطورة؛ فهي ليست بعيدة عن النيران، بل قد تتحول – شاءت أم أبت – إلى خطوط تماس متقدمة، فالقواعد العسكرية المنتشرة على أراضيها تجعلها، عملياً، منصات جاهزة لأي مواجهة تقررها الولايات المتحدة، دون أن يكون لها القرار الكامل في إشعال الحرب أو إطفائها، وهنا يبرز السؤال المرير: هل تُحترم السيادة فعلاً، أم أنها تُعلّق عند أول اختبار استراتيجي؟
أما الكيان الصهيوني فقد تجاوز – في نظر كثيرين – مرحلة الدفاع إلى فرض واقع بالقوة، مستفيدة من تفوق عسكري مطلق وغطاء سياسي أمريكي يكاد يكون غير محدود، فما يحدث في المنطقة لا يُقرأ فقط كصراعات منفصلة، بل كخطوات متدرجة نحو تكريس هيمنة إقليمية، تُطرح في ظلها أفكار مثل مشروع إقامة “دولة الكيان الصهيوني الكبرى”، الممتدة – كما يُشاع – من البحر إلى النهر، كتصور يعكس طموحاً يتجاوز حدود الدول القائمة.

الخطورة لا تكمن فقط في هذه الطموحات، بل في الأدوات المستخدمة لتحقيقها؛ من تفتيت الدول، إلى إنهاك الجيوش، إلى تحويل الصراعات إلى حروب داخلية تستنزف الجميع، وفي حال اندلاع مواجهة مباشرة مع إيران، فإن استخدام الأراضي أو القواعد في الخليج كمنصات انطلاق سيجعل هذه الدول في مرمى الرد، لتتحول من حلفاء إلى ساحات مواجهة، ومن دول مستقرة إلى جبهات مفتوحة، لإن الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للكيان لا يُقرأ فقط كتحالف تقليدي، بل كرافعة استراتيجية تتيح لها فرض معادلات جديدة في المنطقة، دون خشية من محاسبة دولية حقيقية.

وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قدرة النظام الدولي على ضبط التوازن، ليحل محلها منطق القوة وفرض الأمر الواقع، فالمشهد بأكمله يشير إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة قد تكون الأخطر في تاريخها الحديث؛ مرحلة لا تُدار فيها الصراعات من الخلف، بل تُفرض بشكل مباشر، وقد تُعاد فيها كتابة حدود النفوذ بالضغط العسكري والاقتصادي، فإن ما يلوح في الأفق ليس مجرد تغيير نظام هنا أو هناك، بل إعادة تشكيل شاملة قد تدفع ثمنها شعوب المنطقة قبل أن تدرك حتى طبيعة ما يجري، وفي ظل غياب موقف عربي موحد وقوي، تبقى دول الخليج والشرق الأوسط أمام تحدٍ وجودي: إما أن تكون فاعلاً في رسم مستقبلها، أو أن تتحول إلى مجرد ساحة تُدار فوق أراضيها صراعات الآخرين. (حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها).

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img