بقلم: مؤمن بن قلم الهنائي
تصوير/ هلال بن سعيد الخميسي
حين تطأ أقدام كبار السن أرض حصن بيت الرديدة العتيقة في بركة الموز بولاية نزوى، تشعر بأن المكان نفسه يحتفي بهم. الجدران الحجرية التي شهدت قروناً من التاريخ، تحمل الآن صدى الضحكات والهمسات، ويمتزج عبق الأصالة برونق روحاني يتغلغل في النفوس. هنا، تحت شعار “إفطار طيب الأثر”، اجتمعت نحو 500 مسن ومسنة في أمسية رمضانية مميزة، ليصبح الحصن شاهدًا حيًا على الوفاء والإحسان، وعلى الدور الرائع الذي تقوم به جمعية جمعية إحسان في رعاية المسنين وتقديم خدمات جليلة تعكس اهتمامها العميق بكل جانب من حياتهم.
مع اقتراب أذان المغرب، تحولت ساحة الحصن إلى لوحة متكاملة من الألفة والسكينة. كانت مائدة الإفطار قد أعدت بعناية لتستقبل الجميع، فتبادلوا الابتسامات والكلمات الرقيقة، بينما تتدفق النفحات الإيمانية في المكان. ارتشفت القلوب روح الشهر الفضيل، واستشعر الحاضرون معنى التكافل والمشاركة، قبل أن يتوجه الجميع لأداء صلاتي المغرب والعشاء جماعة، وسط خشوع وتأمل، وكأن كل زاوية من الحصن تتنفس معهم الدعاء والسكينة.
بعد الانتهاء من الصلوات، انطلقت فقرات الأمسية لتغمر الحضور بالروحانية والمعرفة. تلاوة عطرة من القرآن الكريم بصوت القارئ محمد الكندي أخذت الحضور في رحلة قلبية بين كلمات الله، أعقبها عرض محاضرة دينية بعنوان “رياض الجنان في شهر رمضان” ألقاها خميس بن سعيد بن محمد العامري، تناول خلالها فضائل الشهر الكريم وأثره في تهذيب النفوس وتعزيز قيم الرحمة والتراحم، لترسخ المبادئ الإنسانية في قلوب الجميع.
ثم أضاء المنشد جبر السليماني الأجواء بفقرة إنشادية، فارتفعت أصوات الأنغام لتنساب بين أركان الحصن العتيق، فتزداد اللحظة جمالاً وروحانية، بينما قدم الدكتور زاهر بن أحمد العنقودي محاضرة توعوية بعنوان “تعزيز الصحة النفسية لكبار السن”، موضحًا أهمية الدعم النفسي ودور الأسرة والمجتمع في توفير بيئة آمنة ومطمئنة، بما يسهم في رفع جودة حياة المسنين.
ولم يقتصر الاهتمام على الجانب الروحي والمعرفي، فقد شارك فريق العمل التطوعي بجامعة نزوى ومؤسسات صحية مرموقة مثل مدينة نزوى الصحية، وعيادات الصحة والسعادة، ومستشفى النيل، والعيادة الملكية للعلاج الطبيعي والتأهيل، حيث أجروا فحوصات قياس ضغط الدم ومستوى السكر، لتؤكد الجمعية حرصها على تقديم رعاية صحية متكاملة تعكس اهتمامها الشامل بكبار السن.
وفي لحظات الجلسة الحوارية الودية، أتيحت الفرصة للمسنين لسرد تجاربهم وقصص حياتهم، فتجلت الحكمة المكتسبة عبر السنوات في كل كلمة، بينما أضفت المسابقات الرمضانية لمسة بهجة على الأمسية، لتصبح الابتسامة عنوان كل لحظة. كل فقرة وكل نشاط كان شاهداً على الجهد الكبير الذي بذله القائمون على الملتقى، وعلى حرصهم الدائم على تقديم تجربة متكاملة تجمع بين الروحانية، الوعي الصحي، والفرح الاجتماعي.
وفي ختام الأمسية، كرمت جمعية إحسان الجهات الداعمة والمساهمين في إنجاح الحدث، مؤكدة استمرار مبادراتها في رعاية كبار السن، وتعزيز قيم الوفاء والعرفان لهم، وترسيخ روح التعاون والتلاحم المجتمعي، وتجسيد الدور الرائع الذي تضطلع به الجمعية في خدمة هذه الشريحة المهمة من المجتمع.
وهكذا، بين أزقة الحجر العتيق ونور الشهر الفضيل، تجلت صورة الوفاء والإحسان، حيث التاريخ يبارك الحدث، والقيم الإنسانية تتألق في وجوه كبار السن، لتبقى جمعية إحسان رمزاً للمبادرات المجتمعية الأصيلة، وحصن بيت الرديدة شاهداً حياً على أسمى صور التكافل والتراحم في محافظة الداخلية.



