النذر الذي أعادها من الموت
الذكريات…
ذلك الصندوق المقفل على شاطئ الأمنيات،
نخبئ فيه ما عجزنا عن نسيانه، ونخاف في الوقت ذاته من فتحه،
لأن بعض الذكريات لا تُروى… بل تُعاش من جديد كلما استدعيناها.
ومن أغرب الحكايات التي مرّت عليّ في حياتي، حكاية سأرويها الليلة،
حكاية ما زلت كلما تذكّرتها شعرت بأن الواقع أحيانًا أكثر غرابة من الخيال.
كان ذلك في مساءٍ ربيعي قبل أربع سنوات.
كنت أحاول كتابة قصة جديدة، لكن الإلهام – كعادته – زارني ثم غادر دون استئذان.
وعندما يغيب الإلهام، أترك القلم وألجأ إلى عالمي الأجمل…
اللعب مع أطفالي، تلك المتعة التي لا تضاهيها متعة.
وفجأة، رنّ هاتفي.
حين أجبت، كان صوت فتاةٍ شابّة، بدا في نبرته شيءٌ من التعب والارتباك.
وقبل أن أتكلم قالت مباشرة:
— أريدك أن تكتب قصتي.
مازحتها قائلًا:
— يا حسناء… ردّي السلام أولًا، ثم نكتب ما شئتِ.
قالت بصوتٍ مبحوح:
— اسمي مزن سالم… وأريدك أن تكتب ما سأقوله دون زيادة أو نقصان.
كان في صوتها ما يدفعك للإصغاء دون سؤال.
فقلت:
— حسنًا… تفضّلي.
قالت جملةً أربكتني:
— أنا عائدة من الموت.
حاولت فهم معنى عبارتها، لكنها استرسلت:
— كنت مخطوبة لابن عمي منذ الطفولة. وعندما كنت صغيرة أصابني مرضٌ شديد، فنذر والدي إن شُفيت أن يذبح عجلًا صدقةً لله. شُفيت… لكن والدي نسي النذر. ومن هنا تبدأ الحكاية.
ثم سكتت… وسمعت بكاءها عبر الهاتف.
بعد صمتٍ طويل قالت:
— هل يمكن أن أراك أستاذ؟
وافقت، فقد شعرت بحدس الكاتب يخبرني أن وراء الكلمات قصةً ثقيلة.
في صباح اليوم التالي، استيقظت على أصوات العصافير وهي تنثر ضجيجها الجميل في فضاء المدينة.
وجدت رسالة منها تدعوني إلى مقهى هادئ في أحد المنتجعات، فذهبت، والفضول يسبقني بخطوات.
استقبلتني فتاة لم تتجاوز الخامسة والعشرين، لكن ملامحها بدت أصغر سنًا، أنيقة، جميلة، وخاتم ألماس يلمع في يدها النحيلة.
غير أن الإرهاق كان واضحًا في عينيها، كأنها لم تنم منذ زمن.
ابتسمت وقالت بخجل:
— أعلم أنك تحب عصير المانجو مع الأناناس مزينًا بالفستق.
أدهشني ذلك، وأدركت مجددًا أن حياة الكاتب ليست ملكه تمامًا.
قلت:
— حدّثيني… الفضول يكاد يقتلني.
تنهدت وقالت:
— أستاذ… ما حدث لي يشبه الحلم، لكنه كان حقيقة. ولن يصدقني أحد، لذلك أردت أن تُروى كقصة.
ثم بدأت.
— حلمت أنني ميتة…
كنت أسمع بكاء أهلي من حولي، أرى أمي وأخواتي وصديقاتي، لكن لا أحد يسمعني.
حاولت الصراخ، الحركة، الاستغاثة… لكنني كنت سجينة جسدي.
وفجأة، ظهر رجلان شديدا البياض، بملامح غريبة وعمائم بيضاء، حمَلاني وغادرا المكان.
كنت أبتعد عن أهلي… أصرخ… ولا صوت.
توقفا عند نافذة بيتنا، كأنهما ينتظران إذنًا للدخول.
ثم تحولت النافذة إلى بابٍ كبير، ودخلا بي إلى مكانٍ موحش، رائحته خانقة كالكهوف المهجورة.
رأيت أقارب رحلوا عن الدنيا… خالي، جارتي، وأشخاصًا أعرف أنهم موتى.
كنت أصرخ بأسمائهم، لكنهم لا يرونني.
ثم وصلنا إلى بابٍ ضخم، فتح… وأدخلاني على رجلٍ يجلس فوق كرسيٍ مهيب كأنه عرش.
وهنا كانت الصدمة.
رأت مزن عمها راشد واقفًا هناك، يسجد لذلك الرجل ويقول:
— هذه الفتاة التي وعدت أن أقدّمها فداءً لي… فهل تقبلها وتعتق رقبتي؟
ارتجف صوت مزن وهي تواصل:
— أمر الرجل بخلع ملابسي، ثم تفحّص جسدي… وفجأة غضب وقال:
أعيدوها… لا أريدها… هذه الأضحية فيها عيب.
وأشار إلى وحمةٍ أعلى كتفي.
حاول عمي التوسل، لكن الرجل رفض.
حملني الرجلان من جديد، وعادا بي عبر النافذة، ثم سقطت على أرض البيت بقوة.
وهنا…
سمعت أمي تقول:
— الحمد لله… لقد أفاقت من الإغماء… كُتب لها عمرٌ جديد.
أنهت مزن قصتها، وتركَتني أمام صمتٍ طويل…
صمتٍ يجعل الإنسان يتساءل:
كم من الحكايات نسمعها فنظنها خيالًا، بينما أصحابها يعيشونها كحقيقة لا تقبل الشك؟
هذه الحكاية رُويت لي قبل أربع سنوات…
وما زلت حتى اليوم لا أعرف:
هل كانت رؤيا؟
أم رسالة؟
أم تذكيرًا بأن بعض النذور لا تُنسى… حتى لو نسيها أصحابها؟
بقلم: فايل المطاعني
من مذكّرات الحكواتي
نشرت :

